تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإصلاح والاتفاق

بين الاتحاديين والعرب

قد عرف قراء المنار كافة أنه كان من مقاصد زعماء جمعية الاتحاد والترقي

جعل الدولة العثمانية دولة تركية محضة تقلد فرنسة في سياستها وإدارتها، وكان من

وسائل هذا المقصد العظيم عندهم إضعاف ما عدا الترك من الشعوب القوية التي

تتألف منها هذه الدولة كالعرب والأرنؤوط، وكان من مسارعتهم في هذا أن جيشوا

الجيوش اللجبة على بلاد هذين الشعبين المخلصين لدولتهم، الراضين معها بسوء

حالهم، وفعلوا الأفاعيل الشنعاء في اليمن والكرك، وحوران وبلاد الأرنؤوط،

وعرف قراء المنار أيضا أننا قد جهدنا حق الجهاد بالقول والسعي لمقاومة هذه

الأعمال الضارة، وصرحنا بأن تتريك العناصر بالسلطة والقوة أو بغير ذلك لم يعد

مما يدخل في حدود الإمكان، وأنه لو كان ممكنا لعذرنا الاتحاديين على محاولته

سياسة لا دينا؛ لأن الإسلام وهو دين الدولة الرسمي ودين جميع الترك فيها هو دين

عربي كما قال الله عز وجل: ﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا﴾ (الرعد: 37) وإن

إضاعة العربية إضاعة له.

وقد عرف القراء أيضا أن الدولة قد خسرت الملايين من الدنانير والألوف

الكثيرة من الجند في تلك السبيل، وما كانت العاقبة إلا إضاعة الشعب الأرنؤوطي

الباسل بإخراجه من حضن الدولة الإسلامية، وتنبيه الشعب العربي الكريم إلى

الخطر الذي ينذره، وينذر الدولة سرعة الانحلال والزوال، من عالم السلطة

والاستقلال، وزاد في يقظته حادث طرابلس الغرب، فمثل للعالم كله شدة ارتباطه

بهذه الدولة على إضاعة رجالها هذه المملكة العربية العظيمة بإخراج ما فيها من

العسكر والسلاح وإرساله إلى قتال إخوانهم في اليمن، ثم اشتدت اليقظة وعظم

الخوف من الخطر بما كان من انكسار دولتهم في حرب البلقان، فعلم عقلاؤهم

وأهل البصيرة منهم أن استمرار السكوت والسكون يفضي إلى إضاعة بلادهم

المباركة وبلادهم المقدسة، كما ضاعت طرابلس الغرب وألبانية ومكدونية، فهبوا

لمطالبة الدولة بالإصلاح الذي تقوى به الأمة بقوة كل عنصر من عناصرها وشعب

من شعوبها، على قاعدة اللامركزية الإدارية التي لا يرجى ذلك بدونها، وقد قرؤوا

البراهين الكثيرة في المنار على ذلك.

قد اتفق ما عدا الاتحاديين من أهل الرأي والبصيرة من العثمانيين على أن

دولتهم لا يرجى صلاحها ولا بقاؤها إلا بالإدارة اللامركزية، وقد ظهرت الدعوة

إلى أن ذلك من الترك قبل العرب، وقد قويت هذه الدعوة وانتشرت في المملكة

على عهد وزارة مختار باشا، ووزارة كامل باشا الأخيرة، ولم يكد الاتحاديون

يسقطون وزارة كامل باشا ويعودون إلى مقاعد الباب العالي حتى عادوا إلى شنشنتهم

الأولى في مقاومة كل حركة إصلاحية بالقوة القاهرة، وكان قد تأسس حزب

اللامركزية في مصر وانتشرت دعوته في البلاد العربية، وتأسست جمعية بيروت

الإصلاحية وتعارفت مع هذا الحزب، وقام على أثر ذلك نبهاء العرب الذين

يشتغلون في فرنسة بطلب العلوم والفنون والتجارة يطلبون عقد مؤتمر عربي في

باريس لبيان حقوق العرب في الدولة وطلب اللامركزية، وفوضوا أمر هذا المؤتمر

إلى حزب اللامركزية بمصر، وظهرت حركة الإصلاح في العراق بصورة مخيفة،

واتحد أهلها بحزب اللامركزية أيضا، وامتد الشعور بهذه النهضة المباركة إلى

ضباط الجيش المحارب وغير المحارب وخافت الحكومة أن يؤيدوها.

بدأت وزارة شوكت باشا - رحمه الله وعفا عنه - بالضغط على جمعية

بيروت الإصلاحية فأقفلت ناديها وحبست بعض أعضائها وهددتها بالحكم العرفي،

فظهر لها ولجمعية الاتحاد أن هذه الشدة ما زادت أهل بيروت - وهم تحت ضغط

الحكومة العرفية - إلا اتحادا وإصرارا على ما قرروا طلبه من الإصلاح، وكذلك

فعل الاتحاديون في البصرة فأعقبتهم الشدة والتهديد كل حسرة، فماذا يمكن أن يقاوم

به من هم في البلاد الحرة كمصر وأوربة وأمريكة؟ حاولت حكومة الباب العالي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٩١