نظرة
في كتب العهد الجديد
وفي عقائد النصرانية
(3)
تابع ما قبله
ومما تقدم تعلم أن القول بقيامة المسيح لم يكن - كما يزعم المبشرون الآن-
الحصن الوحيد الذي وقى المسيحية من السقوط، ولا كان محتما لإنقاذ التلاميذ
من هاوية السقوط والقنوط.
ومن أكبر ما حدث للنصارى بعد ذلك هو - كما زعموا - اضطهاد نيرون لهم
سنة 64 ميلادية، وهذا الاضطهاد إذا سلم أنه وقع عليهم فهو بإجماع المؤرخين لم
يكن سببه إلا سياسيا، أي اتهامه لهم بحريق رومية، ولم يكن لعقيدة قيامة المسيح
أدنى دخل فيه (راجع أيضا رسالة الصلب صفحة 140 - 142) بل ولا في أي
اضطهاد من الاضطهادات الرومانية العشرة الشهيرة من سنة (64 - 311 م) وإلا
فلينبئونا من منهم أو من رسلهم قتل فيها من أجل هذه العقيدة؟ فقول المبشرين أنهم
إنما اضطهدوا لمجاهرتهم بالقول بقيامة المسيح، لا أساس له ألبتة من التاريخ، وإذا
فقولهم: إن النصارى إنما صبروا على كل ما أصابهم لوثوقهم من هذه القيامة، قد
خوى على عروشه واندكت دعائمه كما لا يخفى؛ إذ لو لم يقولوا بها مطلقا لأصابهم
ما أصابهم، وهم قائلون بها ما داموا حزبا ناميا مخالفين لغيرهم في كثير من
أفكارهم وآرائهم وشئونهم وسياستهم وأمانيهم وسائر أمورهم؛ ولذلك أصيب اليهود
في بعض هذه الاضطهادات بما أصيب به النصارى؛ لاختلافهم أيضا عن
الرومانيين في مثل ما تقدم؛ فالقول بالقيامة وعدمها سواء بالنسبة لاضطهادهم
وصبرهم عليه. وكيف نسلم صحة كل حكايات الاضطهاد هذه بعد الذي علمناه عن
النصارى من المبالغات والتحريف والأكاذيب والزيادات؟ (راجع رسالة الصلب
ص121 و140 - 142) .
ومن الذي قال: إن جميع القائلين بعقيدة القيامة هذه كانوا كذابين وأنهم ما
كانوا معتقدين لها في الواقع ونفس الأمر، وإن كانوا فيها واهمين؟ وما يدرينا أن
أكثر الاضطهادات التي يحكونها كانت تحصل لهؤلاء المساكين الصادقين في
عقيدتهم؛ إذ مثل هؤلاء هم الذين يندفعون عادة ويتعرضون للناس ويدعونهم إليها
من غير أن يحسنوا السياسة معهم، والرؤساء من ورائهم يحرضونهم سرا
ويشجعونهم طمعا في نجاحهم ونكاية بخصومهم وهم عن الأذى بعيدون؟ وهل
حصول الاضطهاد لشخص اعتقد شيئا ما يدل على أن عقيدته صحيحة؟ مع أننا
نرى كثيرا من الناس يتوهمون شيئا ويعتقدونه فينالهم أذى كثير في سبيل ذلك ولا
يتحولون عنه، وما من دين في العالم أو أي مذهب إلا ونال أتباعه الأولين أذى
كثير واضطهاد فظيع؛ فهل جميع الأديان والمذاهب صادقة وهي كلها متناقضة؟ !
ولنرجع إلى أصل موضوعنا فنقول:
من العجيب أن بولس يذكر كل هؤلاء الأشخاص الذين أريناك حقيقة أمرهم
ويترك ذكر مريم المجدلية وهي أول من قالت أنها رأت المسيح (يو 20: 18
ومر15: 9) ولها فضل السبق في الذهاب إلى القبر، وقد ذكرت الأناجيل الأربعة
اسمها، وهي في الحقيقة البطل الأعظم لهذه الرواية، ومع ذلك لا يذكرها بولس،
ويذكر أشخاصا آخرين لم تذكرهم الأناجيل، فما السبب في ذلك يا ترى؟ السبب
الأكبر في ذلك هو أن بولس - ككل العقلاء الحريصين - يرى أن شهادات النساء في
مثل هذه الحلة لا قيمة لها وخصوصا لأنها كانت امرأة مختلة العقل ومصابة
بالشياطين كما تقول الأناجيل (لو8: 2) ولذلك قال بولس في النساء (1 كو 14:
34) : (لتصمت نساؤكم في الكنائس؛ لأنه ليس مأذونا لهن أن يتكلمن بل
يخضعن كما يقول الناموس أيضا) وهو صريح في بيان رأيه في قيمة النساء
عندهم خصوصا في المسائل الدينية، وكذلك نرى أن شهادتهن ما كان يعول عليها
عند قومه اليهود حتى ما كانوا يقبلونها في محاكمهم، فلهذا ولعدم ضرورة التملق
لهن لضعفهن وعدم الخوف منهن ترك بولس ذكر شهادة النساء في مسألة القيامة،
مع أن شهادة مريم هذه عند النصارى هي أول شهادة وأعظمها في هذه المسألة.
فمما تقدم يظهر لك شدة مبالغة بولس في هذه المسألة التي هي أصل دعواه،