تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متى يا قوم هذا؟ ومتى تأذنون بفتح باب الفهم والتفاهم؟

عبد الحميد الزهراوي

حاشية للكاتب: إني ألهمت تحرير هذه المقالة على إثر اطلاعي على

كتاب (العلم الشامخ) الذي نشر في هذه الأيام، وإني رأيت أن مطالعته تفيد

كثيرا في زحزحة مطالعه عما ألفه من التقليد الضار الذي يحول بينه وبين

الفهم والتفاهم ويشوش عليه الإخاء الذي يوجبه الدين، فمن أحب أن ينال حظا

من العلم الصحيح فليمر به مرور تدبر واستقلال.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

بيان حزب اللامركزية الإدارية العثماني

[*]

إن غرض الأمم الذي ترمي إليه في هذا الوجود إنما هو الحياة: الحياة

الاجتماعية والحياة السياسية، أي أن يكون لها وجود اجتماعي راق، ووجود

سياسي ثابت.

ومن الضروري أن تسعى الأمة لكلا الوجودين في منهجهما القويم

الموصل إلى الغاية، وتعنى بهما جميعا، ولا تقصر مجهوداتها على بلوغ

غاية أحدهما دون الآخر؛ لئلا يكون مثلها كمثل من علم بركاز من الذهب في

مكان، فأسرع إليه بكل ما تصل إليه قوته وجهده، فلما بلغه لم يجد معه أداة

لاستخراج ذلك الركاز، فرجع القهقرى من حيث جاء واهي القوى خائب الأمل

والرجاء.

فالقوانين الاجتماعية مهما كانت راقية قل أن تضمن الحياة لأمة إذا لم

تكن قائمة على أساس متين هو القوانين السياسية. ومهما عنيت الحكومة بتنظيم

قوانين الحياة الاجتماعية للأمة وأكثرت من مشروعات الإصلاح في المملكة في

التعليم والاقتصاد والإدارة والقضاء ونحو ذلك - فإنها لا تخرج في هذا كله عن

معنى الوصاية على محجور عليه لا يملك التصرف بشئون حياته الخصوصية

ليثبت لنفسه وجودا صحيحا بين الناس، ويعمل لسعادته جهد العامل المجد.

ولذا أصبح لهذا العهد شكل الحكومات التي تقوم به الحياة السياسية، لكل

أمة هم جميع الأمم، وصار من المسلم بالبداهة أن وجود الأمة السياسي

والاجتماعي بين مجاميع الإنسان الحية متوقف على شكل الحكومة؛ فكلما

كانت مشاركة الشعب للحكومات أكثر، كان ذلك لدوام وجوده أضمن.

لهذا السبب تكاد تكون سائر الحكومات التي للأمم المستقلة اليوم دستورية

شعبية لا شأن فيها لسلطة الأفراد، بل الشأن لعامة الأمة ومشاركتها للحكومة

في كل جليل وحقير من الشئون العامة، إلا أنها تتفاوت في ذلك منازل

ودرجات وتختلف في الشكل اختلافا روعي فيه الاجتهاد والنظر إلى حالة

الشعوب الاجتماعية والعرفية والقابلية والاستعداد.

ومما يثبت بالتجارب لهذا العهد أن أفضل شكل من أشكال الحكومات هو

الدستوري، وأفضل أشكال الدستوري هو اللامركزية خصوصا في الممالك

التي تعددت فيها الفروق والمذاهب واللغات، واختلفت العوائد والتقاليد

والأخلاق، فكان من المتعذر أن تساس بقانون واحد لم تراع فيه تلك الأحوال،

ولم ينظر معه في الحاجة والزمان والمكان.

ثبت ذلك بالتجارب كما ثبت أن اللامركزية هي أفضل مرب لأفراد الأمة

على الاستقلال الذاتي الذي هو خير وسيلة لترقي الأمم؛ لأنها - أي اللامركزية -

تأبى بطبيعتها أن تكون تبعة الحكم مقصورة على أفراد قليلين تصدر عنهم

القوة والعمل إلى كل ناحية من أنحاء المملكة فيكونوا كالمحرك في آلة كبيرة

جدا إذا أصابه عطب أو ضعف تعطلت أجزاء سائر الآلة عن العمل دون أن

يكون لأي جزء من هذه الأجزاء قوة ذاتية يعمل بها بنفسه ودون أن يكون مسئولا

عن نتيجة وقوفه عن العمل.

ومن البديهي أن الشعب غير المسئول عن أي خطأ يصدر عن حكومته

لا يشعر كل فرد منه بالتبعة، فلا يهتم بنتائج خطأ الحكومة إلا بعد الوقوع فيه،

ذلك لأنه مسير بإرادة غيره، لا سلطة له حتى ولا على نفسه؛ لأنها محكوم

عليها أن تسير في السبيل الذي يريده غيره، وإن خالف رغبته ومصلحته

وهواه.

فاللامركزية توزع التبعة على أفراد الأمة بمقدار ما تعطيهم من السيطرة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٠٩