ومن المعلوم أن المدنية العربية القديمة كانت في العاديين والقحطانيين سكان
حضرموت، واليمن، وهم الذين استعمروا مصر، والعراق، وسورية، وقد ضاع
أكثر لغتهم، ولعلها لو دونت كاللغة المضرية لفسرت لنا من اللغة المصرية القديمة
ما لم يفسر إلى اليوم، حتى فيما نراه يخالف منها المضرية بتحريف، أو قلب، أو
إبدال.
وكان المشهور عن أحمد بك كمال أنه يرى أن العربية أصل للغة المصرية
القديمة المدونة بالقلم الهيروغليفي، ومن لوازم هذا أن أصحاب تلك المدنية كانوا
من العرب، ثم إنه رأى نصا يدل ظاهره على أن العرب أنفسهم، أو بعضهم من
المصريين، فأخذ بظاهره حملا له على الصدق، وبنى عليه محاضرة ألقاها في
مدرسة المعلمين الناصرية في العام الماضي، وذلك النص ما وجد منقوشا في الدير
البحري (مكان بجهة الأقصر) في زمن الدولة الثامنة عشرة (كان زمنها من سنة
1600-1380
ق م) ، وهي أرقى دول مصر، وفيه أن المصريين الأولين
اشتهروا باسم الأعناء، ولم يبين النص أصلهم، ولا من أين جاءوا، ولكنهم
استعمروا الجهة الجنوبية من مصر، وأسسوا المدن بأسمائهم وفيه أن بعضهم هاجر
إلى القيروان، وتونس والجزائر، وبعضهم إلى أواسط أفريقية، والصومال،
وبعضهم قطع البحر الأحمر إلى بلاد العرب، وانتشر فيها، وسار من هناك إلى
جنوب فلسطين، وأطلق على كل عنو من أولئك الأعناء المهاجرين اسم مركب
تركيبا إضافيا، فصار يقال أعناء كذا، وأعناء كذا ... ولفظ (أعناء) عربي معناه
الأخلاط من الناس يكونون من قبائل شتى.
أما نحن فنرى أن ذلك النص ربما كان عن عقيدة تقليدية وهمية بأن مصر
الموطن الأول للبشر، والأصل الذي تفرعت منه الشعوب والأمم، وينقل مثل هذا
عن قدماء الهنود والصينيين، فهذه تقاليد متعارضة ليس لنا عليها دليل عقلي، ولا
نقلي للترجيح بينها، فنجري فيها على قاعدة تعارضت فتساقطت، على أن أولئك
الأعناء المجهول أصلهم يجوز أن يكونوا من العرب، وأن يكون من هاجر إلى
جزيرة العرب منهم عاد إلى بلاده، وبهذا يجمع بين هذا القول، وقول العلامة
رونسن الذي رجح كون المدنية المصرية الأولى قد جاءت من بلاد العرب والعراق،
والأمر المتيقن عندنا الآن هو أن لغتنا العربية الشريفة هي لغة قدماء المصريين
ومظهر مدنيتهم، ونتيجته أن قدماء المصريين من العرب، أو العرب منهم، فهم
أمة واحدة، وكذلك السوريون والعراقيون كما تقدم.
وقد رغبنا إلى أحمد كمال بك أن يتحفنا بفصول ملخصة من قاموسه الذي
أشرنا إليه، فتفضل بالإجابة وجعل الفصل الأول في بعض الحبوب والنبات وهذا
نصه.
مقارنة بين اللغة المصرية القديمة
واللغة العربية [*]
(1)
(في بعض الحبوب والنبات والأشجار والأثمار المصرية)
وفيه استطراد إلى كلمات أخرى
بر: البر القمح الواحدة برة.
قمح: هو اسم عندهم للقمح والخبز، ويميز بينهما برسم النبت عند نهاية
الكلمة في الأول، والخبز في الثاني [1] .
وجد الكثير منه في المقابر المصرية، فحفظ بالمتاحف، واختبرت حبوبه في
الزراعة فلم ينجح، وقد اختبر الكيماويون بعض هذه الحبوب، فوجدوها مدهونة
بطلاء حافظ لها على مرور الدهر، ووجد (شوينفورت) قمحا أصغر في الحجم من
قمحنا المعروف، وهو يشبه القمح البحري، وكان يستعمل في الطب والغذاء.
حنت: حنطة هي البر- ج حنط.
(بد) بض بياض: وكلمة البيضاء تطلق في العربية على القمح.
فمو: الفوم هو الحنطة، وقد ذكر في القرآن الكريم.
جل: (والجيم تقلب غينا) غلة - ج غلال.
شرت ق سريت: سلت - هو الشعير أو ضرب منه، والشين تقلب سينا
بالمصرية فيقولون شلم بمعني سلم، واللام تقلب راء، وبالعكس.
الشعير عندهم صنفان أبيض وأحمر، ويصنع منه الخبز والجعة، ومن خبزه
ما هو محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة، ووجدت حبوبه في مقبرة كاهون
بالفيوم من عصر العائلة الثانية عشرة؛ لكن حبه أصغر من شعيرنا الآن وكانوا