البحث فيها، والاعتبار بها، رحمه الله تعالى وأحسن عزاء البلاد الهندية والأمة
الإسلامية عنه.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
ربيع الآخر - 1333ه
مارس - 1915م
الكاتب: ابن القيم الجوزية
-----------------
<span class="footnote">
كتاب مدارج السالكين
كلام الصوفية في الوقت
من الجزء الثالث من كتاب مدارج السالكين
قال: ومنها الوقت. قال صاحب المنازل (باب الوقت)
قال الله تعالى ﴿ثم جئت على قدر يا موسى﴾ (طه: 40)
الوقت اسم لظرف الكون، وهو اسم في هذا الباب لثلاثة معان على ثلاث
درجات [1] : المعنى الأول [2] حين وجد [3] صادق لإيناس ضياء فضل جذبه صفاء
رجاء أو [4] لعصمة جذبها صدق خوف، أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة) وجه
استشهاده بالآية أن الله سبحانه قدر مجيء موسى أحوج ما كان الوقت إليه، فإن
العرب تقول: جاء فلان على قدر. إذا جاء وقت الحاجة إليه، قال جرير:
نال الخلافة إذ كانت على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر
وقال مجاهد: على موعد، وهذا فيه نظر لأنه لم يسبق بين الله سبحانه
وبين موسى موعد للمجيء؛ حتى يقال إنه أتى على ذلك الموعد؛ ولكن وجه هذا
أن المعنى جئت على الموعد الذي وعدناه أن ننجزه، والقدر الذي قدرناه أن يكون
في وقته، وهذا كقوله تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من
قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد
ربنا لمفعولا} (الإسراء: 107-108) لأن الله سبحانه وتعالى وعد بإرسال
نبي في آخر الزمان يملأ الأرض نورا وهدى، فلما سمعوا القرآن علموا أن الله
أنجز ذلك الوعد الذي وعد به، واستشهاده بهذه الآية يدل على محله من العلم،
لأن الشيء إذا وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه كان أحسن وأنفع
وأجدر، كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفرج في وقته
الذي يليق به.
ومن تأمل أقدار الرب تعالى، وجريانها في الخلق علم أنها واقعة في أليق
الأوقات بها، فبعث الله سبحانه موسى أحوج ما كان الناس إلى بعثته، وبعث
عيسى كذلك، وبعث محمدا صلى الله (عليه وعليهم أجمعين) أحوج ما كان أهل
الأرض إلى إرساله، فهكذا وقت العبد مع الله يعمره بأنفع الأشياء له أحوج ما كان
إلى عمارته.
قوله: (الوقت ظرف الكون) الوقت عبارة عن مقارنة حادث لحادث عند
المتكلمين، فهو نسبة بين حادثين، فقوله ظرف الكون أي وعاء التكوين فهو
الوعاء الزماني الذي يقع فيه التكوين، كما أن ظرف المكان هو الوعاء المكاني
الذي يحصل فيه الجسم؛ ولكن الوقت في اصطلاح القوم أخص من ذلك. قال أبو
علي الدقاق: الوقت ما أنت فيه، فإن كنت في الدنيا، فوقتك الدنيا، وإن كنت
بالعقبى، فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور، فوقتك سرور، وإن كنت بالحزن،
فوقتك الحزن. يريد أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله، وقد يريد أن
الوقت ما بين الزمانين الماضي والمستقبل، وهو اصطلاح أكثر الطائفة، ولهذا
يقولون: الصوفي والفقير ابن وقته. يريدون أن همته لا تتعدى وظيفة عمارته بما
هو أولى الأشياء به، وأنفعها له، فهو قائم بما هو مطالب به في الحين والساعة
الراهنة، فهو لا يهتم بماضي وقته وآتيه، بل بوقته الذي هو فيه، فإن الاشتغال
بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الحاضر، وكلما حضر وقت انشغل عنه
بالطرفين فتصير أوقاته كلها فواتا.
قال الشافعي (رضي الله عنه) : صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا
بكلمتين: سمعتهم يقولون: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم
تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل، قلت: يا لهما كلمتين ما أنفعهما، وأجمعهما،
وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته! ويكفي هذا ثناء من الشافعي على طائفة هذا
قدر كلماتهم.
وقد يريدون بالوقت ما هو أخص من هذا كله، وهو ما يصادفهم في تصريف