....
إن رجال الإصلاح كثيرون وفضيلتكم في مقدمتهم، وقد بسطت لكم فيما تقدم
بعض آراء لا أشك في أنه يشاركني فيها جميع أعضاء الجالية الإسلامية في إنكلترا
ولكن إنفاذكم وإنفاذ غيركم من المصلحين لها يحتاج إلى " المال "، فهل نعيش نحن
المسلمين إلى الأبد نعلل أنفسنا بالنجاح والخير حينما نكتشف بابا جديدا لذلك، ثم
نفشل لأننا لا نجد مفتاحه، وهو غيرة وكرم أمرائنا وسراتنا؟ ؟
لقد صحت الحكمة القائلة: (إن الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم) ولو
وضعها كل مسلم نصب عينيه، وعمل بها لكان لنا من المنعة والعز ما نحسد عليه،
ولعل كلمتي هذه تصادف آذانا واعية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... ... ... ... ... ... ... لندن في 15 يناير سنة 1915 ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... مسلم غير متفرنج
(المنار)
نشكر للكاتب غيرته على دينه، وحسن ظنه بنا، ونوافقه على آرائه في
جملتها، ولكن مسألة الإيمان والعمل تحتاج إلى تفصيل وتمحيص، وأرى أن مسلمي
الهند أرجى لخدمة الإسلام من مسلمي مصر، وإن كان يظن بعض الناس أن
الإسلام في مصر أقوى منه في الهند علما وعملا، فمسلمو الهند يعملون لنشر الدين
وخدمته، ويتعاون العلماء والأغنياء منهم على ذلك على ضعف فيه يرجى أن
يقوى مع الزمان، ولم يوجد في مصر غني بذل مالا لخدمة دينية محضة، ولا وجد
عالم تصدى لخدمة دينية محضة جديدة إلا شيخنا الأستاذ الإمام في تصديه
لإصلاح التعليم في الأزهر وملحقاته إلى أن قام من قام بتأسيس الدعوة والإرشاد
وقد لقي هذا المشروع العظيم في مصر أشد المقاومة، وكانت مصلحة الأوقاف
الإسلامية قد نفحته بإعانة قليلة 550 جنيها في السنة، مع الوعد بمضاعفتها؛
ولكن وزارة الأوقاف الجديدة قد قطعت هذه الإعانة في هذا العام بعد أن منعت
نصف ما كان مقررا للعام الماضي، ويظن كثير من المسلمين أن هذا بإيعاز من
الإنجليز، وأنا لا أظن هذا، بل أنا على رأيي القديم في الإنجليز، وهو أن المسلم
يستطيع أن يخدم دينه في بلادهم ومستعمراتهم بحرية قلما يجد مثلها عند غيرهم،
وما آفة الإسلام إلا منافقو أهله وجبناؤهم، وسيفضح ما نكتبه في تاريخ مشروع
الدعوة والإرشاد كثيرا من هؤلاء المنافقين، ومنهم الذين لا يزالون يكيدون في الخفاء
ليحولوا دون مساعدة القصر له، وسيرى مسلمو العالم وغيرهم في هذا التاريخ
الذي هو تاريخ الإصلاح الإسلامي في هذا العصر مقارنة غريبة بين باشوات
الآستانة وباشوات مصر.
أما اقتراحكم ترجمة تفسير المنار بالإنجليزية فيقل في المسلمين من يبذل
المال له؛ لأن أكثر الأغنياء المسلمين أغبياء أخساء، وإنما يبذل بعضهم المال في
المشروعات العامة لأجل الجاه عند الحكام والأمراء، ولا يكاد هؤلاء يلتمسون في
مثل هذا العصر جاها، والأفراد العقلاء النبهاء منهم كثرت عليهم طرق البذل في
هذا العصر، ولعل هذا المشروع ينفذ في الهند يوما ما، وإني أكاد أجزم بأن هذا
الاقتراح لو عرض على مثل الأمير الجواد الشهير النواب محمد علي راجا محمود
آباد ممن يثق هو بقوله في بيان مكانة التفسير لأنفذه حالا، وكيف لا وهو يهب
المدارس بالألوف من الجنيهات، أما أنا فلا أسعى إلى هذا الاقتراح؛ لأن التفسير
لي ولو كان لغيري لسعيت.
ولا أذهب بك بعيدا فهذا مولوي محمد إنشاء الله صاحب جريدة (وطن)
الهندية قد تبرع بمائة مجلد من كل جزء من هذا التفسير لتوزع على المساجد في
البلاد العربية، فإذا أعان الله على إتمام التفسير، وإنفاذ تبرعه كانت قيمة ما يدفعه
زهاء ما اقترحت للترجمة، والله الموفق وبيده ملكوت كل شيء.
-----------------
<span class="footnote">
(1) حذفنا من مكان النقط لقب " الأستاذ الإمام " الذي صار كالعلم لشيخنا رحمه الله تعالى، وإن كنا جرينا على نشر الرسائل والأسئلة بنصها لأسباب تاريخية وغير تاريخية.