تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

138 - 143

) {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون

ولا هم يذكرون} (التوبة: 126) ﴿إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ (المزمل: 19) .

أيها المسلمون، مرت الليالي والأيام وتعاقبت الشهور والأعوام،

والأمة الإسلامية في كل موضع ومقام، تظلم وتضام، وتداس بالأقدام، عند

جميع الأقوام وهم ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون﴾ (التوبة: 10) ولا ينظرون إلى مسلم بعين إنصاف أو رحمة، وإن من شهد

هاتيك الأعوام الماضية، وتلك الأيام النحسة الخالية، هذا العام الذي طويت

صحيفته من الوجود، ومحيت أيامه ولياليه من الخافقين فلا تعود {هنالك ابتلي

المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} (الأحزاب: 11) وعم الويل والثبور القريب

منهم والبعيد، فقد انتابتهم النوائب الماحقة، وصبت عليهم المصائب الساحقة،

وألمت بهم الرزايا العديدة، ونزلت بساحتهم البلايا المبيدة، وأحاطت بهم

المهالك، فجعلت أيامهم البيض سودا حوالك، وها هي ذي الأمة الإسلامية تردد

النفس الأخير، وسيقضى عليها - لا قدر الله - إن لم يتداركها برحمته العزيز

القدير] ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [

الأعراف: 34) .

انظروا بعيني البصر والبصيرة إلى هذه الأمة الكبيرة، ذات العزة

والسطوة، والمنعة والقوة، والأيام المشهورة والآثار المسطورة، تروها على

وجه هذا الصحصحان ككرة الصولجان، تتقاذفها الفرسان، وتطاردها

الفتيان، وتقلبها في الميدان، وهي لضعفها طوع صوالجهم، ولعجزها تبع

إرادتهم، لا ترد ضربة ضارب، ولا تكف يد لاعب {وما أصابكم من مصيبة

فبما كسبت أيديكم} (الشورى: 30) {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس

أنفسهم يظلمون} (يونس: 44) .

تأملوا رحمكم الله وأصلح بالكم، في هذه الأمة الكريمة، ذات الشهرة

العظيمة، والرعب والرهبة، والفتح والغلبة، تجدوها بين الأمم، كقطيع من

الغنم، غاب عنها راعيها وقد خيمت عليها الظلم، فانقضت عليها ذئاب الغرب

المتمدنة، وثعالب تمدن هذه الأزمنة، تنهشها بالأنياب والحراب، وتمزق

منها الجلباب والإهاب، وتسومها سوء الهوان والعذاب، تقطع أوصالها،

وتستلب أموالها، تقتطع ممالكها مملكة فمملكة وتجرها من مهلكة إلى مهلكة،

تغتصب بلدانها وتختطف تيجانها، تستنزف دماءها، وتمزق أشلاءها،

مرتكنة في استباحة أفعالها على حجج لا مبرر لها، ودعاوي أوهن من بيت

العنكبوت، وإنه لأوهن البيوت، وأمتكم تستغيث بالإنسانية ولا إنسانية لدى

القوم، وتستجهر بالمروءة وقد ماتت ومات أهلها من بينهم اليوم، تناشدهم

شفقة الأخوة الآدمية، وتذكرهم بالحقوق الملية، والمعاهدات الدولية، وهم

يتصاممون عن سماعها، وينغضون إليها رءوسهم استهزاء بها، تخوفهم

عاقبة هذه الدار، وعقاب القوي الجبار، لكل ظالم ختار، وهم لا يرهبهم إلا

الحديد، والعدد العديد من الأبطال الصناديد، أولي الأيد والبطش الشديد،

ولا تخيفهم إلا الجماعة المتساندة، والعصبة المتحدة، والفئة المتعاضدة ذات

القلوب المتوادة والأهواء الواحدة، والمقاصد المتماثلة والأعمال المتواصلة،

والآراء السديدة والمساعي الحميدة، والهممم العالية والمطالب السامية، ولا

ترعبهم السيوف البتارة والجيوش الجرارة والخيل والعدة والبأس والشدة،

والشهامة والنجدة ولا تفزعهم إلا البواخر الماخرة والقلاع الزاخرة، والمدافع

المزمجرة، والقذائف المدمرة ولا تردعهم إلا الرعاة الساهرة والقواد الماهرة،

والذخائر الوافرة، والنيران الملتهبة والليوث المتأهبة ولا يردهم عنكم أيها

المسلمون الساهون اللاهون، إلا الاهتداء بتعليم القرآن والامتثال لأوامر

الرحمن والمبادرة إلى العمل بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٠٣