عبر الحرب البلقانية
وخطر المسألة الشرقية
[*]
(1)
(مقدمة وتمهيد)
من الناس من يكتب ليعجب الناس بما يأتي به من زخرف القول،
ومنهم من يكتب ليرضيهم بما يبديه من حسن الرأي، فهذا يفترض حوادث الزمن،
وذاك يرتقب سوانح النكت، ليحل كلامهما محل القبول، ويصيب مواقع
الاستحسان من القلوب، ونسأل الله أن لا يجعلنا منهم.
ومن الناس من يكتب لأجل النفع، بإزالة باطل أو إظهار حق، أو أمر
بمعروف أو نهي عن منكر، فهو يتخول الناس بالموعظة، ويتخونهم بالكشف
عن مكامن العبرة.
ونرجو الله أن نكون من هؤلاء في الدنيا وأن نحشر معهم في الآخرة.
تساءل بعض الناس لم كتبت تلك المقالات الطوال في المؤيد حين أوقدت
نار الحرب في طرابلس الغرب وبرقة، ولم أكتب فيه شيئا في إبان هذه الحرب،
وهي أدهى وأمر، وأنكى وأضر؟ ولو تذكروا تلك المقالات لعلموا أنها كتبت في
شأن هذه الحروب وكون تلك المقدمات لها، أي أنها فتح لباب المسألة
الشرقية وتصد من أوربة لحل هذه المسألة، والقضاء المبرم على ما بقي للمسلمين
من هذه الدولة، فلو وعاها إخواننا المسلمون ووزنوها بميزانها لفكروا في مستقبلهم،
واجتمع أهل الرأي منهم في كل مكان للبحث عن مصيرهم، ولم يرضوا أن تبقى
مصلحتهم العامة في أيدي بعض سفهاء الأحلام، الذين لا يملكون هنا إلا البذاء في
الكلام، وتضليل العامة بالوساوس والأوهام، وكان من ضررهم ما كان، فكيف
بحال أمثالهم في عاصمة الدولة، وقد ملكوا مع هذا كل شيء فدمروا كل شيء.
إنني - وايم الله - لأكتب من أجل الإفادة والنفع، وما اكتفيت في أيام هذه
الحرب بما كتبت في المنار، وأمسكت عن الكتاب [1] في الجرائد اليومية -
وأولاها بما أكتب في هذه الحال: المؤيد - إلا لأنني أرى أن هذه مثل البلاد لا
تستطيع أن تنفع الدولة الآن إلا بالمال. وقد انبرى لجمعه لها أمراؤها فخفت
لصوتهم كل صوت، وقصر عن قولهم كل قول، وتضاءل دون سعيهم كل
سعي، جزاهم الله أفضل الجزاء، وحسبي من شرف مشاركتهم في ذلك ولو بالاسم
أنني عضو في جمعية الهلال الأحمر فلم يبق من طرق نفع الكلام في هذه الحرب
إلا بيان ما فيها من العبر، وما أدى إليها من الأسباب وما يلزم عن تلك المقدمات
من النتائج، وهذا ما كنت أتربص به أن تضع الحرب أوزارها، لئلا يقال: إنه
ابتسر العبرة فجاءت قبل أوانها، كما قال بعض أصدقائي في مقالة نشرتها في
المنار.
أما وقد عقدت الهدنة، وعين المفوضون للبحث في شروط الصلح، وقد
ثبت خيانة وفساد الاتحاد والترقي للدولة ثبوتا رسميا، وعلم الخاص والعام،
أنها هي علة حرب طرابلس وحرب البلقان، فقد جاء الوقت الذي يرجى أن
ينفع فيه القول، ويخشى أن يضر السكوت، وترجح المقتضي على المانع.
قد كان يكون من موانع الكتابة قلة وجود المتدبرين الذين يميزون بين قول الحق
ويعرفون أهله بأدلتهم وسيرتهم، وبين أقوال المبطلين الذين يغشون الأمة ويغرونها
بتأييدهم للأقوياء الذين ينتفعون منهم، فقد كان زعماء الحزب الوطني
هنا يغشون الناس بالسلطان عبد الحميد الذي باعوه ذمتهم بالرتب والنياشين
والدراهم والدنانير حتى كان بعض زعمائهم يجعل الشهادتين في الإسلام
ثلاثا فأوجب على من يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله،
أن يثلث فيقول: وأشهد أن السلطان عبد الحميد خليفة الله. ولولا هذا
التثليث لما انتقل من لقب أفندي إلى لقب بك. ومنه إلى لقب باشا، وما زالت
جريدة اللواء تغش المسلمين عامة والمصريين خاصة بعبد الحميد مدة حياة
مؤسسها وبعد موته إلى ما قبل إعلان الدستور بيوم واحد؛ إذ كتب فيها يوم
الأربعاء طعن شديد في طلاب الدستور من العثمانيين ورمي لهم بأنهم يريدون به
هدم الدولة، وأنبأتنا البرقيات بإعلان الدستور يوم الجمعة.
فلما سقط عبد الحميد ونزا على الدولة بعده أولئك الأغيلمة المتخرجون