الصلب لم تعرف الحقيقة، ولا اللذين دفناه، وهما ما كانا يعرفانه حق المعرفة
كما بينا كيف يعجبون من ذلك ولا يعجبون من أن مريم المجدلية التي كانت
تعرفه حق المعرفة ومختلطة به أتم الاختلاط، لم تعرفه وقت القيامة مع أنها
كانت واقفة بالقرب منه وكان يكلمها (يو 20: 15) وكذلك بعض التلاميذ
الآخرين ما عرفوه مع أنه كان يمشي معهم ويحادثهم ويأكل معهم (لو 24:
13 - 34
) .
وكان الشك فيه ملازما لهم كلما رأوه (مت 28: 17، ولو 24: 37 -42
ويو20: 27) .
ولماذا تغير شكله؟ وما هو السبب في ذلك؟ ولماذا لم يبق على صورته
الأصلية حتى يقنع تلاميذه بدل الشك فيه مرارا؟ . أما يكفي أنه لم يره أحد غير
تلاميذه؟ فهل بعد ذلك يشككهم مرارا في نفسه بسبب تغير هيئته (مر 16: 12)
؟ ثم يحاول إقناعهم بصعوبة زائدة حتى بقي بعضهم شاكا في الجليل بعد أن رأوه
في أورشليم. انظر (متى 28: 17) .
ولا تنس أن القبض على المسيح ومحاكمته أمام مجمع اليهود ورؤسائهم
كانا ليلا، ولا يخفى على أحد مبلغ طرق الإضاءة في تلك البلاد وتلك الأزمنة
وكان ذلك أكبر وقت قضاه المسيح أمام أولئك الرؤساء. أما محاكمته في
النهار فكان وقتها قليلا جدا، وكان يختلي به بيلاطس فيها مرات (انظر يوحنا
18: 33 - 19: 16) فضاع بذلك أكثر هذا الوقت القصير أيضا، وكان
المسيح كلما خرج أمام اليهود في وقت هذه المحاكمة، لابسا ملابس السخرية
والاستهزاء (يو19: 5) كما بينا وهي طبعا غير ملابسه العادية ولا بد أنها
تغير شكله، وعليه فكل هذه الظروف تساعد على وقوع الخطأ والاشتباه.
ومما يؤيد قولنا بهروب المسيح من السجن، ويقرب ذلك من عقول
النصارى: ما جاء في إنجيل يوحنا وهو يدل على قدرته على الاختفاء والإفلات
من أيدي الناس بطرق عجيبة جدا خارقة للعادة، قال 8: 59 (فرفعوا
حجارة ليرجموه، أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازا في وسطهم
ومضى هكذا. أي: بدون أن يروه، وقال 10: 39 (فطلبوا أن يمسكوه
فخرج من أيديهم) فلم لا يجوز أن يكون خرج من أيدي الحراس كما كان
يخرج من أيدي اليهود على ما قال الإنجيل ولم يره أحد؟ (راجع أيضا لوقا
4: 29 و30) .
ومن الجائز أنهم لما لم يجدوه وخرج من أيديهم واختفى بهذه الكيفية التي
ذكرتها الأناجيل وتحققوا من عدم وجوده بالمدينة، خاف الحراس من العقاب
وارتبكوا وخاف اليهود أن يؤمن به كثير من الناس فأخذوا عمدا واحدا غيره
من المسجونين يشبهه أو لا يشبهه باتفاقهم مع العسكر، وربما رشوهم بمال
كثير حتى لا يبوحوا لأحد بالسر مطلقا (انظر مت 28: 12) وصلبوا هذا
الرجل خارج المدينة، وأفهموا الناس أنهم صلبوا المسيح، وكان المسيح في ذلك
الوقت قد ذهب إلى الجليل أو غيره هربا منهم وخوفا (انظر يو 7) ومن هناك
رفع إلى السماء فلم يعثر عليه أحد كما رفع أخنوخ (تك 5: 24) وإيليا (2
مل 2: 11: 17) وقد منع اليهود الناس من الاقتراب من المصلوب؛ لئلا
يعرفوا الحقيقة، وأيضا كان من رأيهم أن هلاك واحد من الشعب خير من
هلاك الأمة كلها على حسب زعمهم (يو 11: 50) فلا يبعد أن واحدا من
رؤساء الكهنة قدم نفسه لذلك العمل كما يفعل بعض الناس للآن في زمن
الحروب وغيرها.
ويحتمل أيضا أن هذا الذي أخذوه كان أحد المحكوم عليهم بالإعدام
كباراباس (لو 23: 19) الذي قال علماؤهم: إنه كان يسمى يسوع أيضا في
أقدم تراجم المسيح، فحذف النصارى هذا الاسم منها (راجع دائرة المعارف
الإنكليزية مجلد 13 صفحة 656) ونظرا لأن هذا الرجل كان محكوما عليه
بالإعدام على ما يظهر، وكان اسمه يسوع، فلما صلبوه ظن أنه صلب لأجل
ما حدث منه من القتل والفتنة، وكلما نادوه باسمه لم يخطر على باله أنهم
أقاموه مقام يسوع المسيح الذي ظنه الناس أنه هو المصلوب، وبذلك تحقق
قول المسيح لليهود (يو 7: 33) (أنا معكم زمانا يسيرا بعد ثم أمضي إلى