....
) وكذا حديث علي إذا علم به ولم يكن له مطعن في
تقييد الشافعي وابن حبان إياه بالصلاة المكتوبة، فينبغي له أن يأتي بما صح ولو لم
يواظب عليه.
التأمين بعد الفاتحة في الجماعة وغيرها:
ثبتت مشروعية تأمين الإمام والمأمومين بأحاديث متفق على صحتها، وروى
أبو داود وابن ماجه والدارقطني وقال: إسناده حسن، والحاكم وقال: صحيح على
شرطهما، والبيهقي وقال: صحيح - عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا تلى ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (الفاتحة: 7) قال:
(آمين) حتى يسمع من يليه في الصف الأول.
وروى مثله أحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه، والدارقطني وصححه، وابن
حبان من حديث وائل بن حجر، قال الحافظ ابن حجر: وسنده صحيح، وخطأ ابن
القطان في إعلاله، وقد ورد من طرق ينتفي بها إعلاله. وقال ابن سيد الناس: ينبغي
أن يكون صحيحا. فيدل هذا وما قبله على مشروعية التأمين مطلقا، فلا حاجة إلى
نص في تأمين الذي يصلي منفردا، لهذا نرى أن اجتهاد من يترك التأمين في غير
حالة الاقتداء خطأ.
المسح على الخفين بعد الحدث واشتراط الطهارة قبل لبسهما:
الأصل في اشتراط طهارة الرجلين قبل لبس الخفين لجواز المسح عليهما:
حديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه وما في معناه، قال: كنت مع النبي صلى الله
عليه وسلم ذات ليلة في مسير له فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وغسل
ذراعيه ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما
طاهرتين) فمسح عليهما. اه.
وورد هذا الحديث بألفاظ أخرى في الصحيحين وغيرهما، وكان ما ذكر فيه
في وقعة تبوك وهي بعد نزول سورة المائدة التي فيها آية الوضوء.
واختلف فقهاء الأمصار من سلف الأمة في المراد بطهارة القدمين، فذهب
الجمهور إلى أنها الطهارة الشرعية، وذهب بعضهم إلى أنها الطهارة الحسية التي
تستفاد من إطلاق اللغة، أي أدخلهما نظيفتين ليس عليها خبث، وهذا مذهب الإمام
داود. وفي حديث عمرو بن أمية الضمري عند أحمد والبخاري وغيرهما وحديث
بلال عند أحمد ومسلم وأصحاب السنن ما عدا أبا داود، وحديث المغيرة عند مسلم
والترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة، وفي بعض
الروايات: الخمار والخفين) .
وروي العمل بحديث المسح على العمامة عن جماعة من الصحابة والتابعين
وأئمة الأمصار كالأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود. ولم يرو اشتراط
وضع العمامة أو الخمار على طهارة إلا عن أبي ثور، وهذا يرجح قول داود بن علي
في طهارة القدمين؛ لأن من شأنهما أن يصيبهما الخبث.
وهذا المسح لا ينافي حكمة الوضوء؛ وهي تعهد أطراف البدن بالنظافة لكثرة
طروء الوسخ عليها وما في غسلها من التنشيط على العبادة مع سهولة ذلك وعدم
الحرج والمشقة فيه إلا في نزع العمامة والخفين، وأعني العمامة التي كانوا
يتعممون بها في عهد التشريع، فقد كانت تدار على الرأس مباشرة في الغالب ويحتنك
بها فتشبه الخمار؛ ولهذا ورد المسح بلفظ العمامة وبلفظ الخمار.
وإزالة مثل هذه العمامة لمسح الرأس وإعادتها لا يخلو من مشقة كنزع الخفين
وغسل الرجلين، فلما كان الأمر كذلك، وكان الله عز وجل يقول في آية الوضوء
﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (المائدة: 6) وليس
عندنا نص نقيد به المسح بما اشترطه الطحاوي - فظهر أن قول الطحاوي بوجوب
الوضوء والمسح عليهما قبل أن يحدث بعد لبسهما على طهارة لا يقتضيه نص
الأحاديث الواردة في مشروعية المسح ولا حكمة الوضوء والمسح؛ ولذلك كان
الجمهور على خلافه.
تفضيل الإمام أبي حنيفة بالاعتناء بالحديث وشروطه على الشيخين:
لا ينبغي إبداء الرأي في عبارة من فضل أبا حنيفة في الحديث على الشيخين
رحمهم الله أجمعين، إلا بعد الاطلاع عليها، وما نقله السائل عنه أراه غير صواب،
ولا أحب الخوض في هذه المسألة؛ لأنني لا أرى له فائدة بل ربما كان ضارا؛