تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من يعترف بحق لضعيف؛ فإما يعترف به لمنفعة يراعيها، أو لمفسدة يتقيها، ولو

تنازع أقوياء هؤلاء على الضعفاء، لما سلم ضعيف من الإيذاء، وقد كان من

المصالح جعل بعض الدول الصغيرة في أوربة حاجزا بين الكبيرة المتعادية منها،

وتعاهدوا على أن تكون حرما آمنا لا يجنى عليها؛ ولكنهم لم يرعوا هذه العهود

ولا غيرها عند حاجتهم إلى نقضها في هذه الحرب، والدين لا يبيح ذلك، قال

تعالى في العهود بين المسلمين والمشركين: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم

ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب

المتقين} (التوبة: 4) ، وقال في المؤمنين الذين لم يهاجروا إلى النبي صلى الله

عليه وسلم: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم

ميثاق والله بما تعملون بصير} (الأنفال: 72) .

-----------------

<span class="footnote">

(1) من الشواهد على هذا ما في مقالة (آراء الأميركيين في الحرب) المنشورة في جزء يناير سنة 1915 من المقتطف، وأوضح منه مقالة لكاتب قصصي إنكليزي كتبها لصديق له فرنسي، ونشرت في المقطم.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الألقاب

بحث لغوي تاريخي في الألقاب الرسمية وغير الرسمية

منقول من الفصل الثاني من الباب الأول من المقالة الثالثة من الجزء الخامس

من كتاب صبح الأعشى، وللكلام فيه طرفان، قال:

الطرف الأول

في أصول الألقاب وفيه جملتان

الجملة الأولى

في معنى اللقب والنعت، وما يجوز منه ويمتنع

أما اللقب فأصله في اللغة النبز، بفتح الباء، قال ابن حاجب النعمان في

(ذخيرة الكتاب) : والنبز ما يخاطب به الرجل الرجل من ذكر عيوبه، وما ستره

عنده أحب إليه من كشفه، وليس من باب الشتم والقذف.

***

وأما النعت فأصله في اللغة الصفة، يقال: نعته ينعته نعتا إذا وصفه، قال

في (ذخيرة الكتاب) : وهو متفق على أنه ما يختاره الرجل ويؤثره ويزيد في

إجلاله ونباهته، بخلاف اللقب، قال: لكن العامة استعملت اللقب في موضع النعت

الحسن، وأوقعوه موقعه لكثرة استعمالهم إياه، حتى وقع الاتفاق والاصطلاح على

استعماله في التشريف والإجلال والتعظيم والزيادة في النباهة والتكرمة.

قلت: والتحقيق في ذلك أن اللقب والنعت يستعملان في المدح والذم جميعا

فمن الألقاب والنعوت ما هو صفة مدح، ومنها ما هو صفة ذم، وقد عرفت النحاة

اللقب بأنه ما أدى إلى مدح أو ذم، فالمؤدي إلى المدح كأمير المؤمنين، وزين

العابدين، والمؤدي إلى الذم كأنف الناقة وسعيد كرز، وما أشبه ذلك، والنعت تارة

يكون صفة مدح، وتارة يكون صفة ذم، ولا شك أن المراد هنا من اللقب والنعت

ما أدى إلى المدح دون الذم، وقد اصطلح الكتاب على أن سموا صفات المدح التي

يوردونها في صدور المكاتبات ونحوها بصيغة الإفراد كالأمير والأميري، والآجل

والآجلي، والكبير والكبري، ونحو ذلك ألقابا، وصفات المدح التي يوردونها على

صورة التركيب، كسيف أمير المؤمنين، وظهير الملوك والسلاطين، ونحو ذلك

نعوتا، ولا معنى لتخصيص كل واحد منهما بالاسم الذي سموه به إلا مجرد

الاصطلاح، ولا نزاع في إطلاق اللقب والنعت عليهما باعتبارين: فمن حيث إنها

صفات مؤدية إلى المدح يطلق عليها اسم اللقب، ومن حيث إنها صفات لذوات

قائمة بها يطلق عليها اسم النعت.

***

وأما ما يجوز من ذلك ويمتنع، فالجائز منه ما أدى إلى المدح مما يحبه

صاحبه ويؤثره، بل ربما استحب، كما صرح به النووي في (الأذكار) للإطباق

على استعماله قديما وحديثا، والممتنع منه ما أدى إلى الذم والنقيصة مما يكرهه

الإنسان، ولا يحب نسبته إليه، قال النووي: وهو حرام بالاتفاق، سواء كان صفة

له، كالأعمش، والأجلح، والأعمى، والأحول، والأبرص، والأشج، والأصفر،

والأحدب، والأصم، والأزرق، والأشتر، والأثرم، والأقطع، والزمن،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٨٢