تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9 - 30

) .

وأما عبارة إنجيل لوقا (9: 56) التي تشبه في المبدأ مسألة الرجم هذه فقد

وجدوا أنها متروكة من بعض النسخ القديمة، وهو دليل على زيادتها فيه ليجعلوا

إنجيل لوقا كإنجيل يوحنا انظر (يو 3: 17 و12: 47) فيجوز أن يكون اختراع

هذه المسائل والقصص هو لمثل ذلك الغرض أي إظهار أنه فوق الناموس الأكبر،

وأنه أكبر من كل شيء، وإن كان هذا الاختراع قد أدى إلى عكسه فذم الناس

المسيح ذما شنيعا بسبب ما نسب إليه، ولكن كتابهم ما كانوا ينتظرون حصول هذه

النتيجة المحزنة. وأيضا فقد كان الاستهتار بالشريعة الموسوية وعدم المبالاة بها

وبأحكامها أكبر ما سعى إليه بولس وتبعه في ذلك كثير من الأمم لسهولته كما هو

معلوم، فلذا قالوا عن المسيح ما قالوا: فإن مبادئهم كانت أقرب إلى الإباحية

والاشتراكية من أي شيء آخر كما سبق (انظر صفحة 59 و105 و187) .

أما غرضنا نحن من ذكر هذه المسائل هنا مع أننا نبرأ منها إلى الله مرارا

وتنفر منها طباعنا، والإسلام يحرم علينا نسبتها إلى عيسى عليه السلام، ويوجب

علينا التأدب في حقه وحق سائر الأنبياء، فهو أن نظهر أننا يمكننا أن نقابل

النصارى بالمثل لولا ديننا وآدابنا، وأن نري متعصبيهم أن الطعن في محمد عليه

السلام بالروايات الضعيفة والأحاديث الموضوعة أو بالمسائل المختلف بيننا وبينهم

في قبحها وحسنها ليس من العقل ولا من الإنصاف في شيء وعندهم في أناجيلهم

القانونية لا الموضوعة ما يوجب الطعن في المسيح بأشد مما يوجد عندنا في محمد،

حتى نفر عقلاؤهم وعلماؤهم في أوربة من المسيح والمسيحية، ومن كان في بيت

من زجاج لا يليق به إن كان عاقلا أن يرمي بالحجارة الساكنين في بيوت من حديد.

ومما تقدم ترى أن الاعتقاد بهذه الأناجيل ضار بمقام المسيح عليه السلام

ضررا بليغا ولا خلاص للناس من كل الإشكالات المتقدمة وغيرها التي أوقعت

المفكرين والعقلاء في الإلحاد إلا بنبذ هذه الكتب والاعتقاد بالقرآن الشريف فإنه هو

الذي برأ المسيح بالحق من كل عيب، ومن كل دعوة إلى عقيدة باطلة ورفع مقامه

رفعا حقيقيا عاليا.

أما هذه الأناجيل فقد حطته من حيث لا تشعر وهي تسعى في تأليهه بنسبة

أقوال إليه تدل لو صحت ولن تصح، على جنون قائلها لشدة بساطة كاتبيها وبعدهم

عن العلم الصحيح والعقل وشدة تأثرهم بالوثنية، ومع أن رواية هذه الأناجيل هي

عند النصارى أصح الروايات بل مكتوبة بالوحي الإلهي، فقد رأيت ما تؤدي إليه

من نسبة ما لا يليق إلى المسيح، وهو منه براء عليه السلام. فكيف يكون الحال

إذا عاملنا النصارى كما يعاملوننا في طعنهم في محمد صلى الله عليه وسلم وأخذهم

بكل سخيف ضعيف من الروايات؟ ولكن ديننا يحول بيننا وبين ذلك، وهو أيضا

لا يتيسر لنا؛ لأنهم أضاعوا الروايات الأخرى وأغلب الأناجيل، ولم يبق إلا ما

وافق آراءهم وأهواءهم، ومع ذلك فنحن قد أخذنا بأصح رواياتهم في اعتقادهم

وأريناك كيف تؤدي إلى الطعن في المسيح عليه السلام، وهم إنما يأخذون بأضعف

الروايات عندنا وأسخفها بل بالموضوع منها وأحيانا يفتجر بعضهم الروايات لنا

افتجارا، فهل أمكنهم بعد ذلك كله نسبة شيء قبيح قبحا حقيقيا لمحمد صلى الله عليه

وسلم [6] كخلوته بالزانيات وحبه لهن وتردده عليهن مرارا هو وتلاميذه

ودلكهن قدميه بالطيب ودهن رأسه به ومسح رجليه بشعورهن، وعدم إنكاره على

الناس شرب الخمر ومساعدتهم على ذلك بل فرضه عليهم وسكره، وتجرده من

ملابسه مرة أمام تلاميذه وعشقه لأحدهم وإجلاسه له في حضنه، وكذبه على

إخوته، وعقوقه لوالدته ومنعه تلميذه من دفن أبيه، وحقده على كل من لم يؤمن به

إلخ، وهو مع ذلك كله فقير مسكين ضعيف مضطهد، فما بالك إذا أوتي ما

أوتيه محمد من الملك والعز والمجد والعظمة وسعة الرزق وطول العمر.

وقد حث عيسى تلاميذه - وهو ضعيف - على المقاومة للدفاع عنه وحمل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٠٩