تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يري نفسه لهم بمقتضاها كما أرى نفسه لتلاميذه، وإلا لكانوا معذورين في عدم

الإيمان به وتكذيبه، فإن نفس تلاميذه شكوا فيه مرارا كما بيناه في رسالة الصلب

ولم يقنعهم إلا بمجهود؛ فهل كان ينتظر منهم أن يكونوا أكثر إيمانا به من نفس

تلاميذه حتى يطالبهم بالإيمان بقيامته من غير أن يروه لمجرد سماع هذا الخبر من

تلاميذه الذين كانوا كثيري الشك عديمي الإيمان بنص الإنجيل؟ متى (17: 20) .

فكيف أخلف المسيح إذا وعده لهم؟ وكيف يجب عليهم تصديق عديمي الإيمان؟

ولا يخفى أن من كان كذلك لا يتحاشى الكذب وخصوصا لمصلحته ولا يخشى الله.

وأي مصلحة أكبر من أن يصبح أولئك الأشخاص الفقراء، المحترقون المستضعفون

بعد موت سيدهم ويأسهم منه وابتداء تلاشيهم - يصبحون رؤساء للناس ورسلا لهم

يشرعون لهم ما يشاءون، ويأخذون من أموالهم ما يرغبون (أع 2: 44 و45 و4:

32 -37

و1 كو 16: 1 - 3 و2 كو 11: 8 و9) بل يقتسمون جميع أموالهم

والممتلكات بينهم بلا عمل ولا تعب سوى القول بأنهم رأوا المسيح بعد موته حيا

كما علمهم بولس وغيره. وقد عاد إليهم الأمل لما بثه فيهم عقلاؤهم ومفكروهم،

بقرب رجوع ملك إسرائيل إليهم حينما رأوا إقبال الناس عليهم وخضوعهم لهم،

وهو الأمل الذي طالما خالج نفوسهم، وكانوا يرتقبون كل يوم تحققه من قديم الزمان

(انظر أع 1: 6) حتى إنهم اعتقدوا أنهم سيملكون في الأرض مع المسيح ألف

سنة (رؤ20: 4 و6) وفي ذلك العصر الذهبي الذي كان يتوهمه اليهود وإلى الآن

ينتظرونه، وأنه متى جلس المسيح على كرسي مجده يجلس التلاميذ الاثنا عشر [14]

على الكراسي ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر مت (19: 28) وأن زمن

رجوع المسيح قريب جدا وأنهم يبقون أحياء إلى نزوله (اتس 4: 15 - 18)

حتى قال لهم بولس: (عزوا بعضكم بعضا بهذا الكلام) وليس هذا فقط بل قد

وعدهم المسيح كما في (مر 10: 30) بأن من ترك شيئا لأجله يأخذ مائة ضعف

في هذه الدنيا وله الحياة الأبدية في الآخرة، وأفهمهم بولس أيضا بأنهم جميعا

سيدينون العالم والملائكة (1 كو 6: 2 و3) وقد بلغ بالرؤساء منهم الغرور

والجهل إلى درجة أن توهموا أو أوهموا الناس أن بيدهم غفران الذنوب [15]

ومفاتيح ملكوت السموات [16] وأن كل ما يربطونه على الأرض يكون مربوطا في

السماء، وكل ما يحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء (مت 16: 19

و18: 18 ويو 20: 23) إلخ إلخ فمن إذا لا يقول بقولهم في قيامة عيسى ليدخل

في زمرتهم حتى ينال ما نالوه أو سينالونه في الدنيا والآخرة؟ مهما ناله من الأذى

والاضطهاد المؤقت طمعا فيما سيحصل له ولأمته من صلاح الحال وحسن المستقبل

والنعيم الدائم في الدارين. ألا ترى أن القاتل يقدم على القتل طمعا في المال مع

علمه بأنه غالبا سيقع في القصاص الذي يذهب بحياته كلها، ولكن الأمل في السعادة

والطمع في لذة المال يدفعه لارتكاب هذا الإثم الفظيع مهما كانت نتائجه.

هذا إذا سلم أن التلاميذ ومن معهم من النصارى كانوا حقيقة يجاهرون على

رءوس الأشهاد بدعواهم قيامة المسيح (انظر رسالة الصلب ص149) وأنه نالهم

جميع الاضطهادات التي تسمعها من قصاصي النصارى. وإذا سلم ذلك فهل كانت

كل هذه الاضطهادات بسبب هذه العقيدة وحدها؟ مع أنهم كانت لهم عقائد أخرى

يخالفون بها غيرهم، وكان أكثر ما يتهمون به هو التهم السياسية لما عند الرومانيين

من الحرية في المسائل الدينية؛ ولعدم وجود سلطة عليهم في أيدي خصومهم اليهود؛

وخصوصا بعد تشتت هؤلاء وخراب أورشليم سنة 70 م وقد اعترف مؤرخوهم

بأنه لم يمس المسيحيين أذى في أثناء حرب الرومانيين مع اليهود؛ لأن المسيح كان

أنبأهم بخراب أورشليم ووصاهم بهجرها.

ولا يخفى أن استفانوس أول شهيد في النصرانية، وإنما رجمه اليهود لأنهم

اتهموه بالتجديف على موسى والناموس وعلى الله، راجع (أع 6: 11 - 14)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٧٨