وحزب المصلحين المعتدلين، ولكنه أوجز واختصر حتى أنه لم يذكر لنا
مصنفات الشيخ، ولعل أهل مصر وغيرها من البلاد العربية لا يعرفون منها إلا
رده الوجيز على كتاب تاريخ التمدن الإسلامي، وما هو إلا عجالة جعلها نموذجا
لبيان ما أنكره من ذلك الكتاب، ولم يرد به الاستقصاء، وكنت رأيت له رسالة في
الجزية نشرت بعضها في المجلد الأول من المنار، وهي تدل على اجتهاد في
التاريخ وعلوم الدين، ومن سوء حظ المسلمين أن يقوم حزب الجمود في وجوه
هؤلاء الأفراد من المصلحين كالشيخ النعماني، ويحولوا بينهم وبين خدمتهم لملتهم
وأمتهم، ويضعف أنصار الإصلاح عن إحباط أعمالهم، ومما يذكر بالإعجاب في
ترجمته أنه لم يوجد في أمراء الهند وعظمائها رجل عرف قيمة هذا الأستاذ الكبير
المصلح، كما عرفته أميرة بهوبال فضلى نساء تلك الأقطار وأقيالها.
وسننشر في الجزء التالي كلمة وجيزة من صلة المودة بيننا، وبين الفقيد
وكتابا منه يعلم منه شيء من صلته العلمية الدينية بصاحبة بهوبال، أدام الله النفع
بها.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
السر محمد سلطان آغا خان
زار مصر في أوائل هذه السنة السر محمد سلطان آغا خان زعيم طائفة
الإسماعيلية أقدم طوائف الباطنية، بل إمامهم ومعبودهم، جاءها عائدا من لندرة
عاصمة إنكلترة - حيث يقيم معظم سنته - إلى وطنه بمبي أول ثغور الهند، حيث
يقيم مدة فصل الشتاء عادة، وقد نزل ضيفا على الجنرال غرانفيل مكسويل القائد
العام للجيوش البريطانية بمصر، فلقي من الحفاوة والإكرام من الحكومة المصرية،
وكبراء الإنكليز ما يليق بمقامه ومكانه من ثقة الدولة البريطانية به، وإخلاصه في
خدمته لها.
وقد اجتمعت به في دار (مستر ستورس السكرتير الشرقي لدار الحماية
الإنكليزية) وتحدثنا أكثر من ساعة في الشؤون المصرية، وأحوال المسلمين في
مصر، وفي غيرها من الأقطار، وكان أكثر الحديث أسئلة منه وأجوبة مني،
وكنت أحب أن أسأله عن أمور فلم يتسع الوقت لذلك، وتحدثنا بتمني اجتماع آخر،
فلم يتيسر؛ ولعل من أسباب ذلك كثرة تنقله في البلاد المصرية، وعدم لبثه في
القاهرة بعد ذلك إلا قليلا.
وقد كان أول حديثه الشكوى من قلة عناية المسلمين بالعلم، وسألني عن سبب
ذلك، فشرحت له رأيي فيه، ومما ذكرته له في ذلك أن العلم لا يرتقي وترتقي الأمم
به إلا بالعمل، ولا سيما العلوم الطبيعية والآلية (الميكانية) التي يشعر عقلاء
المسلمين بشدة حاجاتهم إليها، وتوقف مجاراتهم للإفرنج عليها، وأن أسبابا سياسية،
واجتماعية حالت دون السير في هذه العلوم على الطريقة العملية التي تتوقف على
إيجاد المعامل، ودور الصناعة في البلاد، وأن الحكومات هي ذات الشأن الأول في
إيجاد ذلك، وأكثر حكام المسلمين ليسوا منهم، وأما الحكومات الإسلامية المستقلة،
فقد كانت الدولة العثمانية، والإمارة المصرية - وهما أقربهن إلى الحضارة - شرعتا
في اقتباس العلوم والفنون الأوربية منذ مائة سنة أو أكثر، أي قبل شروع اليابان
في ذلك؛ ولكن حال دون استمرارهما على الطريقة العملية ما لا سعة في الوقت
لشرحه؛ فزالت المعامل ودور الصناعة التي شرع فيها محمد علي باشا كما اضمحل
ما أنشئ من ذلك في الآستانة، مع كون الحاجة إليها أشد، والقدرة عليها أتم، واكتفى
الترك والمصريون باقتباس المبادئ الناقصة من هذه العلوم والفنون، وإنما يتوسع
قليل منهم بما هم أقل حاجة إليه من غيره كالقوانين، وتاريخ الأمم الأوربية،
ولغاتها، مع جهلهم بشريعتهم، وتاريخ ملتهم، وآدابها، ولأجل هذا كان ضرر
أكثر المتعلمين أكبر من نفعه، ولما كان الطب لا يكون إلا عمليا كان هو أنفع ما
اقتبسناه من العلم الحديث، ففي مصر والبلاد العثمانية كثير من الأطباء الذين يخدمون