تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34 - 41

) حتى صار يتصبب عرقا من كثرة الإلحاح في الدعاء فنزل عليه

ملك من السماء ليقويه (لو 22: 43 و44) وأما الإنجيل الرابع فصوره بأنه كان

من أول الأمر يعلم أن يهوذا سيخونه (بو 6: 70 و71) وأنه يعلم كل شيء

(6: 64 و2: 25 و16: 30) وأنه ما كان حزينا لأجل الصلب (إصحاح

14 - 17

) غير أنه اضطرب قليلا (يو 12: 27) وأنه أسلم نفسه لليهود

طائعا مختارا (يو 10: 18) حتى كانوا يسقطون على الأرض من هيبته (18

: 1 - 11) .

وقد ترك أيضا هذا الإنجيل ذكر تجارب الشيطان له [3] وصيامه أربعين يوما

وليلة لله تعالى (مت 4: 1-11) وصلواته الكثيرة (لوقا 6: 12 و 11: 1

و9: 18 ومر 6: 46 ومت 14: 23) وصراخه وقت الصلب من الألم (مت 27

: 46) وكذلك ترك قصة شجرة التين [4] (مت 21: 18 - 22) ومر 11:

12 - 14

) لأنها تؤدي إلى نسبة الجوع والجهل والظلم والعجز للمسيح؛ حيث

إنه لم يعرف إن كان بالشجرة تين أم لا مع أنه لم يكن وقت التين كما ذكر مرقس

(11 - 13) ثم إنه ظلمها وظلم صاحبها أو كل من كان ينتفع بها من السابلة بدعائه

عليها حتى يبست، وكان الأولى به أن يوجد التين فيها في غير وقته بقدرته!!

فإن ذلك يكون أفيد وأحكم وأدل على القدرة، أو يشفيها إن كان عدم ثمرها لمرضها!!

لذلك ترك يوحنا هذه القصة كما ترك كل أمثالها خوفا مما تؤدي إليه، فكل ذلك يدل

على أن هذا الإنجيل كتب في زمن كان فيه الناس قد تغالوا في المسيح ورفعوه لدرجة

تقرب من درجة الأب (الله) [5] فهو مظهر من مظاهر ترقيهم في هذه العقيدة

تدريجيا؛ ولذلك اختلف هذا الإنجيل المتأخر عن الأناجيل الثلاثة الأول في هذه

وغيرها وتركها عمدا لغاية له علمها العلماء من الناس الآن.

فإن قيل: لعل يوحنا أراد أن يكون إنجيله مكملا للأناجيل الثلاثة الأولى

فلذا لم يذكر ما ذكرته منعا للتكرار. قلت: إن ما سبق بيانه لا يصلح أن يعتبر

تكميلا بل هو تناقض بين كما لا يخفى على المتأمل، والظاهر من الأناجيل أن

كلا منها كتب ليكون كاملا بنفسه لا مكملا لغيره، وإلا إذا صح قولكم هذا فكيف ذكر

يوحنا كثيرا من الحوادث التي ذكرتها الأناجيل الثلاثة مع أنها ليست من الأهمية

بمنزلة الأشياء التي تركها؟ مثال ذلك معجزة إطعام خمسة آلاف رجل قد ذكرها متى

(14: 21) ومرقس (6: 44) ولوقا (9: 14) فكيف بعد ذلك ذكرها يوحنا؟

(6: 10) وكذلك دخول المسيح أورشليم راكبا حمارا [6] [7] قد ذكروه كلهم (انظر

مت 21: 2 ومر 11: 2 ولو 19: 30 ويو12:14) فإن قيل: إن ذكرهم

لركوب الحمار هو لأنه كان تتميما لنبوة زكريا (9: 9) قلت: كذلك كان صراخ

المصلوب: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ تتميما للمزمور (22: 1) فلم لم يذكره

يوحنا؟ ألا يدل ذلك على أنه تحاشى ذكر كل ما من شأنه أن يقلل من درجة

المسيح التي يريد رفعه إليها؛ ليجعله كلمة الله القديمة التي وجدت قبل جميع

المخلوقات، وبها كانت المخلوقات ثم تجسدت وقبلت الصلب بإرادتها لا رغما عنها كما يفهم من الأناجيل الأخرى؟ راجع رسالة الصلب (ص 124 و156 و161)

فالحق أن كلا منهم كتب إنجيله على استقلال، وتوخى فيه غاية مخصوصة فذكر

من الحوادث والأقوال ما يلائم غرضه؛ ولو كان مكررا في الأناجيل الأخرى

فتجدها تتفق في بعض المسائل حتى في لفظها؛ ثم تختلف في الأخرى، حتى

يتعسر أو يتعذر الجمع بينها وما دام هذا حال الأناجيل فهي من الوجهة التاريخية لا

قيمة لها؛ لأنها تابعة للأغراض تدور معها حيث دارت.

وقد ذكرت الأناجيل الثلاثة الأول (مت 19: 17 ومر 10: 18 ولو 18:

19) أن رجلا نادى عيسى صلى الله عليه وسلم بقوله: أيها المعلم الصالح، فأنكر

المسيح عليه ذلك تواضعا، وقال له: لماذا تدعوني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلا

واحد وهو الله. وأما يوحنا فلم يذكر هذه القصة مطلقا كعادته، وروى عن المسيح أنه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٣٧