تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محاورة بين عالم سياسي وتاجر ذكي

في المركزية واللامركزية

التقى أحد التجار الأذكياء بصديق له من أهل العلم والوقوف على السياسة

وأحوال الزمان؛ وكلاهما من العثمانيين، ودار بينهما الحديث الآتي:

التاجر: نرى الجرائد وقد شغلت الناس بكلمتين ما كنا نسمعهما قبل هذا العهد،

وهما: كلمة المركزية وكلمة اللامركزية، ونرى الناس قد اختلفوا فيهما اختلافا

كبيرا؛ فمنهم من يقول: سعادة الأمة وحياة الدولة لا يسلمان إلا بالمركزية، ومنهم

من يقول بالعكس، ولما كنت واثقا بمعرفتك وصدقك أيها الأستاذ وبإخلاصك للدولة

عولت عليك في كشف الحقيقة، فأسألك أولا: ما هي المركزية واللامركزية؟

الأستاذ: المركزية عبارة عن كون رجال الحكومة العليا في عاصمة المملكة

يتولون بأنفسهم أمر سياستها الخارجية وإدارتها الداخلية، فيكون بيدهم الحل والعقد،

والدخل والخرج، والنصب والعزل. وعدم المركزية عبارة عن جعل الإدارة

الداخلية لكل ولاية أو قطر من المملكة الواحدة في أيدي أهل تلك الولاية، وتكون

رابطتهم بمركز الحكومة العام في الأمور العامة كلها كالسياسة الخارجية والحربية

ومصلحتي البريد والبرق.

التاجر: هل الممالك الأوربية والأمريكية من نوع المركزية أم من نوع

اللامركزية؟

الأستاذ: بعضها من هذا النوع وبعضها من النوع الآخر؛ فجمهورية فرنسة

مركزية وجمهوريتا سويسرة والولايات المتحدة لا مركزية، وكذلك إمبراطوريتا

ألمانية والنمسة.

التاجر: ما هو سبب الاختلاف في نوع إدارة هذه الممالك مع كونها كلها

مرتقية في العلم والقوة والسياسة.

الأستاذ: أما فرنسة فترى أن الإدارة المركزية تناسبها؛ لأن مملكتها كدار

واحدة تسكنها أسرة واحدة. فهي ضيقة المساحة ومتصلة الأرجاء كلها بالسكك

الحديدية وأهلها من جنس واحد ودين واحد وينطقون بلغة واحدة، وبقية الممالك

المرتقية ليس لها كل هذه الصفات؛ فكان الأصلح لها والأدعى إلى عمرانها ورضاء

أهلها واتحادهم وارتباط بعضهم ببعض أن تكون حكومتها من نوع اللامركزية.

التاجر: ما هو الأصلح لدولتنا العلية؟ المركزية أم اللامركزية؟

الأستاذ: إن اللامركزية أصلح لها، بل لا صلاح لها بغيرها؛ لأسباب كثيرة

إذا أمكن الجدال والمراء في بعضها، فلا يمكن في سائرها، إلا لمن أراد أن يسمي

الضلالة هداية والباطل حقا.

التاجر: تكرم علي ببيان هذه الأسباب أو المهم منها.

الأستاذ: إن هذه الأسباب قسمان: قسم منها لبيان كون اللامركزية أسهل

طرق العمران وأقوى وسائل الترقي، والقسم الآخر لبيان كونها ضرورية للدولة؛

لا يمكن عمرانها ولا حفظها بدونه، وبحثنا الآن في الأول يعد من ترك الضروري

للاشتغال بالكمالي، فيجب أن نبحث أولا عما يقي بلادنا من الخراب والدمار

المشرفة عليهما؛ لا أننا في عمران نبحث عما هو أكمل منه، فالولايات المتحدة

الأمريكية كانت باللامركزية في مقدمة ممالك الأرض عمرانا، ولو اختارت لنفسها

الحكومة المركزية لأمكنها بها أيضا أن تكون عامرة؛ لأنها على سعتها متصلة

الأرجاء بالسكك الحديدية، ولها لغة واحدة، وتربى أهلها تربية واحدة أو متشابهة،

فأين نحن منها ومن التشبه بها؟

أما الأسباب التي تجعل اللامركزية ضرورية للمملكة العثمانية فأهمها ما يأتي:

(1) أن هذه المملكة واسعة المساحة بعيدة الأرجاء، نائية الأنحاء، حتى

إن مساحة آسية الصغرى والبلاد العربية تضاهي بمساحتها ممالك الهند التي يعيش

فيها أكثر من ثلاثمائة مليون، وهي على سعتها ليس فيها سكك حديدية تربط

ولاياتها بالعاصمة التي صارت في الطرف منها، ولا بعضها ببعض، فتوقف

أمورها الإدارية والقضائية وغيرها على أمر المركز ونهيه مفسد لها لبطئه،

ولأسباب أخرى تعلم مما يأتي، فقد تحدث الحادثة المهمة كالثورة الأهلية

والخروج على الحكومة في بعض البلاد، فلا يستطيع المركز العام أن يبدأ بتدارك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٦٣