نظرة
في كتب العهد الجديد
وفي عقائد النصرانية
(4)
تابع ما قبله
ولعل الحكمة في إرادة الله تعالى اختلاف آراء النصارى ومذاهبهم في
عقائدهم وغيرها هذا الاختلاف المعروف قبل البعثة المحمدية هي إشباع العقول من
كثرة البحث والتفكير [1] وتوسيع معلومات الناس وتكبير مداركهم وترقيتها بذلك
حتى تتهيأ لقبول العقائد والتعاليم الإسلامية بعد تشويقها إلى معرفة الحقيقة وتطلبها
الوقوف عليها إذا عرفتها، بعد هذا التعب الشديد والضلال عنها، وإن كانت سهلة
كما هو شأن الحق دائما، عضت عليها بالنواجذ وما فرطت فيها الأمة المحمدية
تفريط من قبلها كبني إسرائيل الذين أوحي إليهم الحق رخيصا فلم يعرفوا قيمته.
ولو ضلت الأمة المحمدية كلها عن الحقيقة وهي آخر الأمم لاحتيج إلى وحي
جديد، ولكن أراد الله أن يختم بمحمد النبوة لارتقاء البشر في عهده وكفاية العقل
والقرآن لهدايتهم؛ فلذا كان ما كان وصان القرآن.
ولو أراد الله بقاء كتبهم للعمل بها إلى يوم القيامة كما يزعمون لصانها كما
صان القرآن الشريف من التحريف والتبديل والضياع، ومع ذلك فقد أبقى الله تعالى
فيها من العقائد الصحيحة والحكم والنصائح العالية ما فيه هداية للمفكرين، وما به
إظهار كذب أهل الكتاب ودسهم على أنبيائهم ما لم يأتوا به وما لم يقولوه ولذلك تجد -
إذا تأملت - ما دسوه قلقا مضطربا لا يتفق مع تعاليم الأنبياء الأصلية كما سبق
تفصيل بعض ذلك في هذه الرسالة، ولكن لا يدرك كل الناس الفرق بين الحق
والباطل في هذه الكتب ﴿ولا يزالون﴾ (هود: 118) في أمرها {مختلفين * إلا
من رحم ربك ولذلك خلقهم} (هود: 118-119)
وما الأديان في هذا العالم إلا كباقي الأشياء الأخرى قابلة للتبديل والتغير الذي
به تسترد شبابها وقوتها، ألا ترى أن الأشجار مثلا تذبل وتسقط أوراقها كل سنة في
زمن الشتاء حتى تصير كالميتة ثم إذا ذهب الشتاء انتعشت، وأورقت وأزهرت
وأثمرت، وصارت أقوى وأبهج مما كانت، فلا يعيق ذلك الذبول المؤقت صحتها
وقوتها بل تكتسب به شبابا جديدا في كل سنة، فكأنها تكتسب من الضعف قوة ومن
الذبول والتغير صحة وشبابا ورقيا [2] .
فكذلك سنة الله في الأديان وغيرها فهي وإن تبدلت وتغيرت في بعض الأوقات
إلا أن ذلك يكسبها قوة وتقدما ورقيا بنهوض العقل البشري للبحث والتفكر فيها،
وبما يوحيه الله للناس من جديد فتعود إليها صحتها ويرجع إليها شبابها وتصير
أحسن مما كانت بعمل الأنبياء والمصلحين الذين يكونون لها كالشمس والماء
للأشجار. (راجع أيضا هامش صفحة 126 من هذه الرسالة) .
هذا وإنما استعمل الله لفظ الأب في التوراة والإنجيل في حق الله ولفظ الأبناء
في حق المخلوقين كما في (مت 5: 9 ويو20: 17) وغيرهما، إذا صحت
رواية اليهود والنصارى، ولم يستعمل ذلك في القرآن؛ لأن الناس كانوا في تلك
الأعصر الأولى ضعاف العقول حتى إنهم قل أن يفهموا شيئا بدون ضرب الأمثال
والتشبيه لهم؛ فلذا كثرت في كتبهم فلأجل أن يعرفوا أن الله رؤوف رحيم بهم محب
لهم كما يحب الأب أبناءه بل أكثر، سماه أنبياؤهم لهم أبا، وسموهم أبناءه، ولكن
بعد زمن المسيح بقليل أي: بعد انقطاع الأنبياء فيهم الذين كانوا دائما يحذرونهم من
الوثنية صار الناس يحملون كلا من لفظ الأب والابن على معناه الحقيقي وادعوا
(كما في كتابات يوستينوس الشهيد [3] المتوفى نحو سنة 166 ميلادية وغيره كثيرون)
أن الله ولد الابن ولادة حقيقية أي أنه جزء خرج منه، وفهموا ما جاء في سفر
المزامير (2: 7) ورسالة العبرانيين (1: 5) [4] [5] [6] [7] ونحوهما فهما خطأ،
ولهم في ذلك سخافات اتصلت إليهم بعد أنبيائهم من الوثنيين والفلسفات الأجنبية
كفلسفة سقراط وأفلاطون اللذين قالا بعقيدة الكلمة قبل المسيح بقرون كما اعترف
بذلك يوستينوس نفسه في بعض كتبه، وإن كانت عقيدتها طبعا أبسط من عقيدة