تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53 - 57

) ثم قصة بركة بيت حسدا (5: 2 - 9) ومع أن هذه البركة

الآن غير معروفة مطلقا، فمن العجيب أن يكون لها هذه الخاصية العظمى

التي ذكرها يوحنا في شفائها للمرضى الذين كانوا ينزلون أولا فيها بعد

تحريك الملك ماءها مباشرة، ولا يذكرها يوسيفوس ولا غيره من المؤرخين في

ذلك العصر؟! فهي قصة كاذبة ولذلك حاول النصارى حذفها من الإنجيل من

قديم الزمان وهذا هو سبب حذفها في كثير من نسخهم القديمة كالسينائية

والفاتيكانية ولكنها موجودة في الإسكندرية وغيرها، فانظر إلى مقدار تصرف

هؤلاء الناس في كتبهم المقدسة.

والخلاصة أن هذه الأناجيل الأربعة ما كانت معروفة إلا في أواخر القرن

الثاني، وكان هناك كتب أخرى كثيرة يستشهد بها المؤلفون غير هذه الأناجيل

كمذكرات الرسل [9] المذكورة سابقا وإنجيل العبرانيين وإنجيل الأبيونيين

والأناجيل المنسوبة إلى بطرس وتوما والاثني عشر وبرنابا ونيقوديموس

وغيرها كثير، وبعد ذلك صارت تشتهر الأناجيل الأربعة شيئا فشيئا حتى جعلت

هي القانونية ورفض غيرها الذي ضاع أكثره أوأعدموه تدريجيا. ولعل السبب

في بقائها دون غيرها هو أنها أصح عبارة في اللغة اليونانية وأقرب إلى

غرض النصارى في تلك الأزمنة وأقل تناقضا وخطأ من غيرها، وربما كان

مروجوها بينهم أكثر وأمهر من مروجي تلك وأبرع منهم في حسن السبك.

هذا، وقد امتدت فلسفة اليهود في الكلمة (Logos) أو الحكمة كما

يسميها سفر الأمثال (8: 12) وكتاب الحكمة ليشوع بن سيراخ (24: 9)

امتدت من الإسكندرية إلى آسية الصغرى، وهناك وجدت وسطا صالحا

لنموها فامتزجت بآراء بولس وغيره في المسيح في الفداء والخلاص وهي

الآراء التي فشت في النصارى وقتئذ، ومن مجموع ذلك صدرت الكتب

المنسوبة إلى يوحنا من كنيسة أفسس، وهي المدينة التي كان يوحنا مقيما فيها؛

ولذلك لم تعرف هذه الكتب (الأناجيل والرسائل) المنسوبة إليه بين

النصارى الأقدمين إلا في آخر القرن الثاني كما سبق.

فإن قيل: إذا كانت الأناجيل الحالية مما كتب في القرن الثاني، فكيف لم

يحذف النصارى منها أقوال المسيح الدالة على قرب مجيئه وعلى أن ذلك

يكون عقب خراب أورشليم مباشرة (راجع مثلا مت 10: 23 و16: 28

و24: 3 و29 -34 ومر13: 24 - 30) مع أن ذلك لم يتحقق؟ قلت: إن

هذه الأقوال كانت تعزية المسيحيين الكبرى على مصائبهم في هذه الدنيا

(1 تس 4: 18) من عهد المسيح إلى أوائل القرن الثاني بعد موت يوحنا الذي

كانوا يظنون أنه يبقى حيا إلى مجيء المسيح عليه السلام (يو 21: 23) فإذا

صح أن عيسى قال شيئا منها فلا بد أنهم لم يفهموا مراده الحقيقي فنقلوا عبارته

محرفة حتى خرجت عن معناها الأصلي وشاعت بينهم على غير حقيقتها.

والأرجح عندي أن اليهود الذين دخلوا في المسيحية استنتجوا من كتبهم

أن زمن عيسى هو آخر الزمان وأن القيامة قريبة جدا منهم كما يفهم من سفر

أشعيا (2: 2) وأرمياء (23: 20) والتكوين (49: 1) ويوثيل 2: 28 -

32) فانتشرت هذه الأقوال بين النصارى الأولين (راجع أيضا أع 2: 16 -

21) وفشت فيهم حتى نسبوها إلى المسيح نفسه، وزعموا أنه قال: إن القيامة

ستقوم عند خراب أورشليم مباشرة (مت 24: 3 و29 - 35) ولذلك قال سفر

الأعمال أيضا نقلا عن يوئيل ما يفهم منه أنها ستقوم عقب نزول الروح على

التلاميذ يوم الخمسين (2: 1 - 21) فكان النصارى في القرن الأول وفي

أوائل الثاني يظنون قرب مجيء القيامة فدخلت هذه الأقوال فيما كتب من الأناجيل

إذ ذاك (كأصل إنجيلي متى ومرقس القديم) وتداولها الناس بينهم واشتهرت عندهم

هذه النبوات وصاروا يرتقبون تحققها يوما بعد يوم، فلا يمكن بعد أن كتبت

وشاعت أن يتلاعبوا فيها؛ وأعين الناس متجهة إليها في ذلك الزمن.

أما كاتب الإنجيل الثالث، وفالظاهر أنه كان في زمن يئس فيه الناس من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٤٠