تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(12) إذا كانت هذه الذنوب كلها، وغيرها مما سيأتي، منسوبة للمسيح بشهادة كتبهم فكيف بعد ذلك يكون شفيعا للمذنبين (1 يو 2: 1) وكيف يكون موته مكفرا عن خطيئاتهم جميعا؟ وأين إذا قداسته وعصمته؟ وأين قداسة إلههم الذي يقبل خطأ كهذا ليكون وسيطا بينه وبين الناس المساكين الضعفاء (1 تي 2: 5) وهل يريد الله أن يكون الناس أقدر على ضبط أنفسهم من المسيح نفسه، وهو لم يضبطها مع أنه إله كما يزعمون؟ .</span></span>

الكاتب: جمال الدين القاسمي

-----------------

<span class="footnote">

تاريخ الجهمية والمعتزلة

[*]

(8)

تلقيب الجهمية بالجبرية

اشتهر عن جهم القول بالجبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة، وهو إسناد فعل

العبد إلى الله تعالى، ففي المواقف للعضد وشرحها للسيد: الجبرية: متوسطة تثبت

للعبد كسبا كالأشعرية، وخالصة لا تثبته كالجهمية قالوا: لا قدرة للعبد أصلا لا

مؤثرة ولا كاسبة، بل هو بمنزلة الجمادات فيما يوجد منها. اه.

لم يعد العضد في (المواقف) الجهمية فئة على حدتها كما فعل غيره من

أرباب المقالات، بل جعلها قسما من الجبرية، فلذا عسر السقوط عليها من المواقف

إلا بالسبر، وقد عرفتها.

والجبر المذكور هو أحد آراء الجهمية، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:

(ليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق السلف

على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وإنه

مخلوق) . اه.

وعلى قول العضد الأشعرية جبرية متوسطة، اذكر ما قاله العلامة المقبلي في

(العلم الشامخ) [1] ، وعبارته: لما رأى محققو الأشاعرة بطلان مذهب جهم

بالضرورة، وعود مذهب الأشعري وأتباعه إليه بأدنى إلمام، واضمحلال الكسب

كيفما قلبته، وبطلان سعي أهله، تسللوا عنه لواذا، فمنهم الراجع إلى الحق

صريحا، ومنهم المقارب ولكن مع التستر باللهج بعبارات الأسلاف وتمويه التقارب

فيما بينهم وبين الأشعري والكون تحت رايته، وقد رفضوه ونسبوه إلى إنكار

الضرورة من حيث المعنى: ثم سمى المقبلي من هؤلاء المحققين إمام الحرمين

والفخر الرازي وغيرهم فانظره.

* * *

(9)

التنبيه لما وقع من خلل النقل عن الجهمية وغيرهم

أرى من واجب كل من يؤرخ مذهب قوم، وكل من يناقش فرقة ما في مذهبها،

أن ينقل آراءها عن كتب علمائها الثقات، ويقوم بالعزو إلى مآخذها ومصادرها؛

لتكون النفس في طمأنينة مما يريبها إن لم يعن بهذا الواجب - هذا كله إذا أمكن

الظفر بكتبها نفسها وآرائها التي دونتها رجالها - وإلا فعلى النهم بتعرف الحقائق أن

يأثر عن كتب الأئمة المحققين ما أثروه، ويبني على ما بنوه، مع التحري والتيقظ،

وما على باذل جهده من ملام.

وبالجملة فلا بد من السند في قبول ما يعزى ويروى إلى تلك الفرقة، فإما عن

أسفارها أو عن إمام ثقة أثر عنها، وأما رمي فرقة برأي ما بدعوى أنه قيل عنها

ذلك أو يقال، فمما لا يقام له وزن في الصحة والاعتماد، فلا يتعانى في رده أو

مناقشته، وهذه القاعدة يجب أن تؤخذ دستورا وأمرا عاما في كل ما يؤثر وينقل،

وأصلها مما نبه عليه أئمة الرواية عليهم الرحمة والرضوان، إذ لم يقبلوا الأثر إلا

بعد معرفة راويه وضبطه وثقته وعدالته؛ إذ ليس من السهل تشريع أمر إيجابا أو

حظرا، تحليلا أو تحريما، بل أمامه ما أمامه من بذل غاية الوسع، ونهاية الجهد،

في تعرف مورده ومصدره تحريا للحق، واحتياطا للصواب، وهكذا كل ما يؤثر

من الأقوال والآراء، سواء كانت في الأصول أو الفروع أو اللغات أو الأقاصيص،

ودليل هذا الأصل: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل

أولئك كان عنه مسؤولا} (الإسراء: 36) والآية {قل هاتوا برهانكم إن كنتم

صادقين} (البقرة: 111)

إذا عرف هذا تبين أن التساهل في الحكاية والنقل لا يقول به المحققون،

ويربأون بأنفسهم عن الخوض فيه وإنما يستروح به المتعصبون والمندفعون وراء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٧٢