تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نظرة

في كتب العهد الجديد

وفي عقائد النصرانية

تابع ما قبله

لهذا كله كان اليهود معاصروه يرون أنفسهم أرقى منه علما ونفسا وأخلاقا

وتدينا [1] وما كانت تعجبهم أحواله وأعماله حتى كانوا يعيرونه بكثرة شرب الخمر

وحب الخطاة كما سبق (لو 7: 34) وأما محمد صلى الله عليه وسلم فلم ير فيه

معاصروه أدنى عيب ولم يطمع أحد منهم في مسابقته في العلم والفضل، والكمال

والعقل والصدق والإخلاص، والصلاح والتقوى، حتى عرف بين مشركيهم من

صغره بالأمين المأمون، وكان لهم نبراس الهدى ومثال الكمال بينهم في كل شيء

ففاقهم بمراحل واسعة، وأما المسيح بحسب هذه الأناجيل فلم يفق الوسط الذي كان

فيه.

هذا مع ملاحظة أنه لم ينقل لنا عنه إلا القليل من أخبار حياته، وأن مدة بعثته

كانت قصيرة جدا، وأن الناقلين لأخباره هذه هم صفوة أتباعه وأخلص تلاميذه الذين

كانوا كما تقول النصارى ملهمين من الله، معصومين من الكذب والخطأ والنسيان

في كل ما كتبوه عنه. فكيف بعد ذلك يليق بعاقل منصف أن يفضل عيسى على

محمد وآداب المسيحية وتعاليمها على آداب الإسلام وتعاليمه؟ وهو الذي لم ينشر

إلا التقوى والفضيلة بين الناس، ونص كتابه صريحا ببراءة بعض أنبيائهم مما

رموهم به من الكبائر (راجع القرآن 2: 102و 20: 87 - 93) ولم يذكر من

تاريخ الآخرين إلا ما فيه عبرة وما به تغذية النفوس بالصلاح والاستقامة وتحصين

الأخلاق والآداب بسياج الفضائل، فلم ينسب لهم شرب الخمر ولا السكر به، ولا

الخيانة ولا الزنا ولا الغش ولا الكذب، ولا التعدي على بناتهم بالفسق فيهن، ولا

عمل الأصنام لأممهم ولا الشرك بالله وعبادة غيره، إلى غير ذلك مما لا فائدة في

نشره عن الأنبياء إلا إشاعة الفاحشة بين الناس والاستخفاف بالدين ومخالفة أوامره

ونواهيه والكفر بالله أو الشرك به؛ وخصوصا لأن كتبهم ذكرت بعض هذه الجرائم

ولم تذكر معها ما ينفر منها كما ترى في سفر التكوين مثلا، فللناس أن يقولوا: إذا

كانت الأنبياء لم تقو على الاستقامة فكيف نقوى عليها، ونحن أقل منهم في كل

شيء، وإذا كان الله لم ينبذهم مع أننا نرى أن بعضهم لم يتب من ذنبه أو كفره فلم

نخافه أو نخشاه؟ ومن ذلك يعلم أن القرآن قد امتاز عن كتبهم بالفضائل وبالآداب

العالية وبالحث الكثير على الصلاح والتقوى والتوبة حتى إنه لم يذكر عنهم مثل ما

ذكرته كتبهم عن نوح مثلا (تك 9: 20 27) [2] ولوط (تك19: 30 - 38) [3]

وإسحاق (تك 26: 7) ، ويعقوب (تك 27: 19) ، وهارون (خر32:

16 [4] ) [5] وداود (2 صم: 2 27) وسليمان (امل 11: 5 و6) وغيرهم من

أنبياء الله الأمناء الطاهرين أقامهم الله ليكونوا قدوة حسنة ومثالا صالحا للناس، فهل

قدرة الشيطان عندهم وصلت إلى حد أن قلب على الله غرضه أيضا في ذلك كما

قلبه عليه مرارا في غير ذلك مما بينا آنفا (راجع ص 123 من هذه الرسالة وص

109 و 110 من رسالة الصلب) حتى جعل الذين أراد الله أن يكونوا مثالا حسنا

للناس وهداية لهم وقدوة صالحة جعلهم شر الأشرار فأتوا من الشرور ما تنفر منه

طباع أحط البشر أخلاقا كزنا الإنسان ببناته وكيف يقبل الناس على تعاليمهم بعد

فعالهم هذه؟ وكيف سردت كتبهم أكثرها كما قلنا بطريقة لا تشعر بشناعتها ولا

ببشاعتها ولا بالإنكار على فاعلها، ونبذه كنبذ النواة؟ راجع كتاب دين الله (ص

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٤١