تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عبر الحرب البلقانية

وخطر المسألة الشرقية

(3)

مقدمات الخذلان في هذه الحروب

محاربة الاتحاديين للدين

من المسلمات التي لا يختلف فيها عاقلان، ولا ينتطح فيها عنزان أن

القوة المعنوية هي الأصل الباعث على الأعمال المادية، وأن الدين هو أعظم

القوى المعنوية أثرا، وأشدها على المخالف خطرا، وأن الفريقين المتحاربين

إذا تساويا في جميع ما ينبغي للقتال من علم ومعرفة، وذخيرة وعدة، وتفاوتا

في قوة الإيمان بالله عز وجل والرجاء في الحياة الآخرة، فإن أقواهما إيمانا

وأعظمهما رجاء هو الجدير بأن يكون له الفلج ويتيسر له النصر. وقد صرحت

الجرائد الأوربية بهذه الحقيقة في سياق البحث في أسباب رجحان البوير على

الإنكليز في حرب الترنسفال، كما بيناه في المجلد الثاني من المنار.

وقد نشرنا في المجلد الأول من المنار نبذة في هذه المسألة ترجمها الأستاذ رحمه

الله تعالى من (وقائع بسمارك) التي نشرها بعد موته أمين سره مسيو

(بوش) قال: غطاء المائدة فقال لأصحابه: كما تنتشر هذه البقعة في النسيج شيئا

فشيئا كذلك ينفذ الشعور باستحسان الموت في سبيل الدفاع عن الوطن في أعماق

قلوب الشعب ولو لم يكن هنالك أمل في الأجر والمكافأة، ذلك لما استكن

في الضمائر من بقايا الإيمان. ذلك لما يشعر به كل أحد من أن واحدا مهيمنا يراه

وهو يجالد ويجاهد ويموت وإن لم يكن قائده يراه.

فقال بعض المرتابين: أتظن سعادتكم أن العساكر يلاحظون في أعمالهم

تلك الملاحظة؟ فأجابه البرنس: ليس هذا من قبيل الملاحظات وإنما هو شعور

ووجدان، هو بوادر تسبق الفكر، هو ميل في النفس، وهوى فيها كأنه غريزة

لها، ولو أنهم لاحظوا لفقهوا ذلك الميل، وأضلوا ذلك الوجدان، هل تعلمون أنني

لا أفهم كيف يعيش قوم، وكيف يمكن لهم أن يقوموا بتأدية ما عليهم من

الواجبات، أو كيف يحملون غيرهم على أداء ما يجب عليهم إن لم يكن لهم

إيمان بدين جاء به وحي سماوي. واعتقاد بإله يحب الخير، وحاكم ينتهي إليه

الفصل في الأعمال في حياة بعد هذه الحياة؟

بعد هذا تكلم ذلك الرجل العظيم عن نفسه فأكد القول بأنه لولا إيمانه

بالعناية الإلهية ويقينه بحياة بعد الموت وشعوره بأنه يرضي الله بخدمته للأمة

الألمانية وسعيه لوحدتها وإعلاء شأنها - لما رضي لنفسه أن يكون من حزب

الملكية وأن يخدم الملك لأنه هو جمهوري بالطبع. والوظائف والرتب

والألقاب لا بهاء لها في نظره. وإنه لا يحب إلا العيشة الخلوية في المزارع،

ومما قاله: (اسلبوني هذا الإيمان تسلبوني محبتي لوطني) ومنه: إن لم

أكن خاضعا لأمر إلهي فلم أضع نفسي تحت طاعة هذه الأسرة المالكة مع أنها

تتصل بأصل ليس بالأعلى ولا بالنبيل من الأصل الذي تنصل به عشيرتي؟

ومن أراد ترجمة نص قوله برمته فليرجع إلى المنار (ص 846 م1 من

الطبعة الثانية) .

وقد قال الأستاذ في مقدمة هذه الترجمة أنه ترجمه ليطلع عليه من لم يعن

بقراءة هذا الكتاب من شبابنا الذين يعدون النسبة إلى دينهم سبة، والظهور

بالمحافظة عليه معرة، وليعلموا أن الإيمان بالله وبالوحي الإلهي إلى أنبيائه

ليس نقصا في الفكر، ولا ضلة عن صحيح العلم، ولا عيبا في الرئاسة، ولا

ضعفا في السياسة.

وقال بعده: هذا كلام بسمارك وهو يدلنا على أن هذا الرجل العظيم كان

يعتقد أن عظائم أعماله إنما كانت من مظاهر إيمانه، وأن الإيمان بالله

والتصديق باليوم الآخر هما الجناحان اللذان طار بهما إلى ما لم يدركه فيه

مفاخر، ولم يكثره مكاثر.

أقول بعد هذا التمهيد: ولكن زعماء الاتحاديين قد فخروه وكثروه في

السياسة، فكان اتحادهم العثماني أقوى وأعلى وأثبت من اتحاده الألماني؛ لأنه

بني على صخر الإيمان، وبنوا على رمل الإلحاد.

لقيت في الآستانة الدكتور ناظم بك الزعيم الأكبر للاتحاديين الذي خلف

صادق بك أمير الألاي بعد أن تبرأ من الجمعية فصار هو المرخص المسئول

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٦٠