تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدرسة دار الدعوة والإرشاد

دروس سنن الكائنات

محاضرات علمية طبية إسلاميةللدكتور محمد توفيق صدقي

(12)

الهيضة أو الكوليرا

cholera

داء وبيل، سريع الانتشار، وأوبئته تفتك بالأمم فتكا ذريعا، وكلمة كوليرا

من كلمة يونانية معناها المرة (وهي إفراز الكبدالمعروف الآن بالصفراء) لأن القيء

والبراز يشتملان في أول الأمر على الصفراء، ويسمى هذا المرض باللغة العربية

(الهيضة) ويسميه المتأخرون من العرب (الهواء الأصفر) لأنهم توهموا أنه ينشأ

من تغير في الجو أو الهواء.

ومنبع هذا الداء بلاد الهند بآسية ولذلك يسمى بالهيضة الآسيوية، ومنها انتشر

في أقطار المسكونة، وقد دخل مصر عدة مرات.

الأسباب:

لهذا المرض ميكروب خاص يشبه الضمة اكتشفه (كوخ) سنة 1883، وهو

لا يصيب عادة غير الإنسان، وطول هذا الميكروب (ميكرون) واحد أو اثنان،

وقد يجتمع منه اثنان فأكثر فيتألف منهما حلزون، وهو متحرك وله هدب واحد

غالبا في أحد طرفيه، ولا حبيبات له وإنما يتوالد بالانقسام.

يوجد هذا الميكروب في براز المصابين، وقد يوجد أحيانا في القيء أيضا ولا

يوجد في الدم، ولا في الأعضاء، ولا الأنسجة، وقد يستمر خروجه مع البراز

حتى بعد الشفاء بمدة، وهو يسكن في الأمعاء وأغشيتها المخاطية، وبعد الوفاة قد

يوجد في جميع أجزاء الجسم لأنه ينفذ من الأمعاء إليها.

يعيش هذا الميكروب في الهواء وفي غيره، والجفاف التام يقتله، وقد يعيش

في الطين الرطب إلى 68 يوما، وفي ماء الشرب عدة أشهر، وفي البراز عدة

أسابيع.

وحامض العصير المعدي يقتله، ولكن هذا العصير لا يفرز إلا مع وجود

الطعام فإذا شرب الإنسان ماء على الجوع خيف عليه العدوى لعدم وجود هذا

الحامض حينئذ؛ فيصل الميكروب إلى الأمعاء، وأمراض الجهاز الهضمي أو

اضطراباته تهيئ المرء لقبول العدوى به.

ولا يميز هذا الداء بين الذكر والأنثى، ويصيب الناس في جميع الأعمار.

والفاقة والضعف والإدمان على الخمر مما يهيئ له، وكذلك الإفراط في الطعام

الكثير، ويكثر انتشاره في فصلي الخريف والصيف، ولكن البرد يوقف سيره.

والإصابة به مرة تحمي غالبا من الإصابة به ثانية.

ولا يصل هذا الداء إلى الإنسان بطريق القناة الهضمية فهو في ذلك كالحمى

التيفودية سواء بسواء، ومما ينقله إلى الطعام أو الشراب الذباب والنمل وغيرهما.

الأعراض:

مدة التفريخ هي يومان عادة أو ثلاثة أيام، وقد تكون أكثر من ذلك أو أقل.

وقد يسبق جميع الأعراض إسهال، أو يصاب المرء بخمول وصداع ودوار

وطنين وغير ذلك، وتستمر هذه الحالة يوما أو اثنين أو ثلاثة، ثم يشتد الإسهال

دفعة واحدة، وتزول الصفراء من البراز؛ فيصير لونه كحساء الأرز (أي مرق

الأرز المغلي) وتسمع في بطن المصاب قراقر كثيرة قلما يكون معها ألم، وبعد

الإسهال بساعة أو أكثر يبتدئ القيء؛ فلا يبقى في المعدة شيء ويصير لونه كلون

البراز، أي كحساء الأرز أيضا، ويشتد العطش ويجف اللسان ويبيض، ويتألم

المريض من جس معدته، ويصاب بتقلص مؤلم جدا في عضلات الساقين والقدمين

أو الأيدي والجذع (أي باقي الجسم) ، ثم يصاب المرء بالهمود (الهبوط) فيبرد

الجسم ويزرق، وتغور العينان، ويبرد النفس، وتنخفض الحرارة، ويسرع

النبض، ويضعف جدا، ولا يقدر المريض على الكلام، ويزول الإسهال غالبا،

ولكن القيء يستمر، ويقل إفراز البول أو ينقطع مطلقا لشدة ضعف الدورة الدموية

ولنقص مائية الجسم بالقيء والإسهال، وكثيرا ما يموت المصاب في هذا الطور.

فإذا جاوزه ترتفع الحرارة تدريجيا، ويعود لون الجلد إلى أصله، وترتفع

العينان بعد الغؤور، ويتحسن النبض، ويفرز البول ويزول الخطر شيئا فشيئا،

حتى يشفى المريض.

المضاعفات والعواقب:

كثيرة منها: الالتهاب الرئوي أو البليوراوي، وموت بعض الأجزاء

(غنغرينا) وسقوطها كالصفن والقضيب أو الأنف، وظلمة القرنية وتقرحها.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٨٨