15 - 18
) فالظاهر أنها مخترعة من واضعه لمدح يوحنا كما سيأتي بيانه
وإلا لذكرها الثلاثة الإنجيليون الآخرون.
ولما كان الصباح ساقوه إلى بيلاطس الذي كان يود إنقاذه منهم ولكن
الظاهر من الأناجيل أنه لم يفلح فحكم بصلبه فأخذه العسكر إلى السجن حتى
يستعدوا للصلب، ففر من السجن هاربا إما بمعجزة أو بغير معجزة كما فر
بعض أتباعه بعده من السجون أيضا (راجع أع 12: 6-10 و16: 25
و26) وربما ذهب إلى جبل الزيتون ليختفي (انظر مثلا يو 8: 1 و59 و10:
39 و11: 53 - 57) وهناك توفاه الله أو رفعه إليه بجسمه أو بروحه فقط
فخرج الحراس للبحث عنه، وكان يهوذا مسلمه قد صمم على الانتحار
وخارجا ليشنق نفسه في بعض الجبال (متى 27: 3-10) ندما وأسفا على
ما فعل فلقيه الحراس، ونظرا لما بينه وبين المسيح من الشبه التام فرحوا
وظنوه هو وساقوه إلى السجن [4] [5] متكتمين خبر هروبه خوفا من العقاب
ولما وجد يهوذا أن المقاومة لا تجدي نفعا ولما طرأ عليه من التهيج العصبي
والاضطراب النفساني الشديد الذي يصيب عادة المنتحرين قبل
الشروع في الانتحار، ولاعتقاده أنه بقتل نفسه يكفر عما ارتكب من الإثم
العظيم ولعلمه أن قتله بيد غيره أهون عليه من قتل نفسه بيده، لهذه الأسباب
كلها استسلم للموت استسلاما ولم يفه ببنت شفة رغبة منه في تكفير ذنبه
وإراحة ضميره بتحمله العذاب الذي كان سلم سيده لأجله [6] ولما جاءت ساعة
الصلب أخرجوه وساروا به وهو صامت ساكت راض بقضاء الله وقدره
ونظرا لما أصابه من التعب الشديد والسهر في ليلة تسليمه للمسيح وحزنه
واضطرابه لم يقو على حمله صليبه أو أنه رفض ذلك فحملوه لشخص آخر
يسمى سمعان القيرواني وذهبوا إلى مكان يسمى الجمجمة خارج أورشليم
وهناك صلبوه مع مجرمين آخرين فلم يكن هو وحده موضع تأمل الناس
وإمعانهم ولم يكن أحد من تلاميذ المسيح حاضرا وقت الصلب إلا بعض نساء
كن واقفات من بعيد ينظرن الصلب مت 27: 55 ولا يخفى أن قلب النساء
لا يمكنهن من الإمعان والتحديق إلى المصلوب في مثل هذا الموقف وكذلك
بعد موقفهن عنه، فلذا اعتقدن أنه هو المسيح، وأما دعوى الإنجيل الرابع
19: 26 أن مريم أم عيسى ويوحنا كانا واقفين عند الصليب فالظاهر أنها
مخترعة كالدعوى السابقة لمدح يوحنا أيضا إذ يبعد كل البعد كما قال رينان أن
تذكر الأناجيل الثلاثة الأول أسماء نساء أخريات وتترك ذكر مريم أمه
وتلميذه المحبوب يوحنا، كما يسمي نفسه بذلك في أغلب المواضع، إذا صح أنه
هو مؤلف الإنجيل الرابع.انظر إصحاح 13: 3 و21: 20 وغير ذلك كثير.
هذا وقلة معرفة الواقفين للمسيح لأنه كان من مدينة غير مدينتهم (راجع
يوحنا ص7) وشدة شبه يهوذا به وعدم طروء أي شيء في ذلك الوقت
يشككهم فيه - كل ذلك جعلهم يوقنون أن المصلوب هو المسيح، حتى إذا شاهد
القريبون منه تفاوتا قليلا في خلقته حملوه على تغير السحنة الذي يحدث في مثل
هذه الحالة ومن مثل هذا العذاب. وكم في علم الطب الشرعي من حوادث ثابتة
اشتبه فيها بعض الناس بغيرهم حتى كان منهم من عاشر امرأة غيره الغائب
بدعوى أنه هو وجازت الحيلة على الزوجة والأهل والأقارب والمعارف
وغيرهم ثم عرفت الحقيقة بعد ذلك، وأمثال هذه الحوادث مدونة في كتب هذا
العلم في باب تحقيق الشخصية: (Identification)
فليراجعها من شاء.
ومنهم من شابه غيره حتى في آثار الجروح والعلامات الأخرى واللهجة
في الكلام (راجع الفصل الأول من كتاب أصول الطب الشرعي لمؤلفيه جاي
وفرير الإنكليزيين) .
فلا عجب إذن إذا خفيت حقيقة المصلوب عن رؤساء الكهنة والعسكر
وغيرهم وخصوصا لأنهم ما كانوا يعرفونه حق المعرفة ولذلك أخذوا يهوذا
ليدلهم عليه كما سبق فاشتبه عليهم الأمر كما بينا وكان المصلوب هو يهوذا
نفسه الذي دلهم عليه فوقع كما كان دبره لسيده (انظر مز 6: 8-10 و7: 5