تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدرسة دار الدعوة والإرشاد

دروس سنن الكائنات

محاضرات علمية طبية إسلامية للدكتور محمد توفيق صدقي

(9)

الراحة والتعب

النوم والرياضة الجثمانية

النوم:

جميع أعضاء الجسم تحتاج للراحة بعد العمل، وذلك بأن المواد الضرورية

لحياتها تقل شيئا فشيئا بسبب العمل، وكذلك تتراكم فيها فضلات الاحتراق،

فبالراحة تجمع من الدم مواد أخرى صالحة لتغذيتها، وتخرج إليه تلك الفضلات

المؤذية، وأعظم أنواع الراحة، وأشدها نفعا للجسم النوم، ففيه يبطل عمل المخ إلا

فيما ندر (كالأحلام) ، ويقل ورود الدم إليه، وتقل مرات التنفس، والنبض

فتستريح الرئتان والقلب، وكذلك يقل إفراز جميع الأعضاء الأخرى كالبول مثلا

وترتخي جميع العضلات؛ وبذلك تحصل الراحة لها، ولجميع الأعصاب

والأعضاء؛ فتتجدد قوى الجسم وينتعش بسببه.

قال بعض العلماء: إن المخ في أثناء النوم يكون محتقنا بالدم، ولكن هذا غير

صحيح فإن الدم إنما يكثر وروده إلى الأعضاء وقت العمل، وأما في زمن النوم

فيقل الدم من المخ وغيره، ويهرب السائل الذي تحت العنكبوتية إلى القناة الفقرية.

وإذا أريد جلب النوم لشخص مصاب بالأرق فأحسن طريقة له أن يجتهد

الإنسان في تحويل الدم عن المخ، بأن يترك الشخص التفكير، ويصب الماء البارد

على دماغه، ويغسل جسمه بالماء الساخن، أو يضع قدميه فيه، أو يتعب نفسه

بمثل المشي وغيره؛ فإن ذلك يجذب الدم إلى العضلات والأطراف، ولمثل هذا

السبب يميل الشخص إلى النوم عادة بعد الأكل بسبب ذهاب الدم إلى المعدة.

ومدة النوم تختلف بحسب السن ففي الأطفال المولودين حديثا تستغرق اليوم

كله تقريبا، وفي الغلمان قد تمتد إلى 12 ساعة، وفي الفتيان تكون نحو 9 ساعات،

وفي الشبان من 7 إلى 8 ساعات، وفي الشيوخ تكون من 5 إلى 6 ساعات

وأحسن وقت للنوم هو الليل بين ذهاب الشفق وطلوع الفجر، أي بعد صلاة العشاء

وقبل صلاة الفجر فإن هذا الوقت تكون الظلمة فيه أشد، والسكون شاملا للبلاد فلا

ينبه المخ بمنبه يقلق راحته، ولا يحتاج الإنسان للنوم في النهار إلا في زمن

الصيف؛ وذلك لقصر الليل، وطول النهار، واشتداد الحر فيه؛ فيتوارد بسبب

ذلك الدم إلى الجلد؛ ولذلك يميل الإنسان إلى النعاس في الحر، ويستحسن أيضا أن

يكون هذا النوم بعد الظهر في مكان بعيد عن الضوضاء، وأن يوجد الإنسان فيه

ظلمة بقدر الإمكان بإرخاء ستائره مثلا، وهذا النوم هو ما يسمى بالقيلولة.

وفي التبكير في القيام فوائد عظيمة، منها فوائد اقتصادية كمزاولة الأعمال

المختلفة قبل فوات الوقت بسبب قصر النهار في الشتاء، أو فواته بسبب اشتداد

الحر في الصيف، وعدم تمكن الإنسان من العمل، ومنها فوائد صحية أهمها

الخروج من المكان الذي بات فيه الإنسان إلى هواء أصح؛ فينتعش جسمه بشم

نسيم السحر، ومن ذلك تجدون أن فرائض الشريعة الإسلامية في الصلاة موافقة

لمصالح الناس الاقتصادية والصحية، على فوائدها الروحية التهذيبية.

ويجب أن تكون غرفة النوم خالية من الأثاث بقدر الإمكان، وأن تكون

أرضها خشبية، وطلاؤها بالجير فقط، وتكون بعيدة عن الروائح الكريهة، وتدخلها

الشمس بالنهار، وكذلك الهواء ليلا ونهارا، ولا يصح طلاؤها بغير الجير أو نحوه؛

فإن المواد الأخرى البيضاء، أو ذوات الألوان تشتمل عادة على الرصاص، أو

الزرنيخ والنحاس، وهذه المواد تنتشر في هواء الغرفة فتسمم جسم الإنسان،

وباستمرار استنشاقها تحدث له أعراض قد تكون خطرة، ويجب أيضا أن تكون

الغرفة جافة؛ فإن استنشاق هواء الغرف الرطبة يؤدي إلى اعتلال الصحة حتى قد

تصاب الأطفال بالدفتيريا؛ إذا سكنت في بيوت حديثة البناء حديثة الطلاء، فيجب

اتقاء السكنى في هذه المنازل إلا بعد تمام جفافها.

هذا ولا يخفى أن الهواء الذي يستعمل في التنفس، أو في الاحتراق هو أخف

لسخونته من الهواء الذي لم يستعمل فلذا يصعد إلى أعلى الحجرات؛ ولذلك كان من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٨٥