تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدرسة دار الدعوة والإرشاد

دروس سنن الكائنات

محاضرات علمية طبية إسلامية للدكتور محمد توفيق صدقي

(10)

سموم الميكروبات:

تحدث بنمو كل نوع من الميكروبات مواد عديدة في السائل الذي تربى فيه،

ومن أضرها مواد زلالية، ومواد آزوتية تشبه المواد الآزوتية النباتية المسماة

[Alkaloids] أي الشبيهة بالقلوية كمادة الإستركنين، وهي مواد تفتك بالأحياء

فتكا ذريعا مهما تكن قليلة، وهذه المواد تتولد بطريقتين: الأولى أنها تتولد في نفس

جسم الميكروب، ثم تخرج منه شيئا فشيئا، والثانية أنها تتولد في السائل نفسه؛

وذلك بإفراز الميكروب مادة ثم (خميرة) تشبه الخمائر - المذكورة في الجزء

الأول - وهذه الخميرة لها تأثير كيماوي مخصوص في المواد المحيطة بها، فتحدث

فيها تركيبا وتحليلا ينشأ منه مواد متنوعة.

ومن الميكروبات ما يبقى جل سمه في جسمه، ولا يخرج إلا إذا استخلص

منه ببعض الطرق العلمية، وذلك مثل ميكروب الطاعون، والكوليرا، والحمى

التيفودية، ويسمى مثل هذا السم (بالسم الكامن) (Endotoxin) وفي الجسم

المريض تنحل بعض هذه الميكروبات، فتخرج منها سمومها وتسري فيه؛ فتحدث

المرض.

ومن المواد التي تتولد في السائل الذي يربى فيه الميكروب ما يقتل الميكروب

نفسه؛ فإنها قد تولد حامض الفنيك أو الغول (الكحول) أو الخل إلى غير ذلك من

المواد التي تستعمل مطهرات لقتل الميكروبات.

الميكروبات والبيئة:

تنقسم الميكروبات - باعتبار ما تعيش فيه - إلى ثلاثة أقسام: فمنها ما لا

ينمو عادة إلا في الحي [1] ، ومنها ما لا ينمو إلا في الميت، ومنها ما يمكنه أن ينمو

في الاثنين معا، فمثال الأول ميكروب الحمى الراجعة، ومثال الثاني بعض

ميكروبات الحمى النفاسية، وهي التي تعيش في الدم والسوائل المنتنة التي تتخلف

أحيانا في الرحم عقب الولادة.

ومن هذا النوع الميكروبات التي تحدث تحليل جثث الموتى، والتي تفسد

اللبن فيخثر، ومنها ما يحول البولينا إلى كربونات النوشادر، والخمر إلى خل،

ولهذه الميكروبات فائدة كبرى في العالم؛ فإنها تحول الأجسام المركبة إلى بسائط

فتعود إلى عالمي الحيوان والنبات؛ فينتفعان بها؛ ولذلك وجد العلماء طريقة عظيمة

لتحليل المواد البرازية؛ فإنها تلقى في مستودعات مخصوصة؛ فيتسلط عليها في

أولاها الميكروبات التي لا تنمو في الأكسجين، وفي الثانية الميكروبات التي تنمو

فيه؛ فبذلك تتحلل جميع المواد البرازية، وتستحيل إلى ماء وغاز ثاني أكسيد الفحم،

وأملاح النيترات.

وهذه الأشياء كلها صالحة للنبات؛ فيسقى بها الزرع، وفيه تتحول مرة

أخرى إلى مواد مضاعفة التركيب ضرورية للحيوان والنبات، فكأن نظام هذا العالم

موقوف على عمل الميكروبات والنباتات، ولولاها لفسد وبطل.

فالنباتات الدنيئة (البكتيريا) تركب قليلا، وتحلل كثيرا، والنباتات الكبيرة

تركب كثيرا، وتحلل قليلا كتحليلها بعض غازات الهواء، فعلى النبات مدار الحياة

ومثال الميكروب الذي يعيش عادة في الحي والميت باسيل التيتانوس، وكذلك

باسيل الدفثيريا (والتي منها الخناق) فإن هذين الميكروبين يعيشان كثيرا في الطين،

وقد ينتقلان منه إلى الإنسان، إلا أن ميكروب التيتانوس لا يعيش في جسم

الإنسان بعد ظهور أعراض هذا المرض إلا قليلا، ومن طرق وصول ميكروب

الدفثيريا إلى الإنسان أنه يكون مختلطا بالطين؛ فإذا زادت المياه التي في جوف

الأرض كما يحصل عند فيضان الأنهار ضغطت على الهواء الموجود خلال الطين

فيندفع منها إلى جو المدن حاملا لهذا الميكروب الخبيث؛ فيصاب كثيرون بهذا

المرض.

والميكروبات لا تموت ما لم يقتلها شيء، وأكثرها مقاومة للطوارئ ما كان له

حبيبات، وهذه الحبيبات نفسها تعيش مدة طويلة من الشهور أو السنين حتى في

الأحوال غير المناسبة للحياة كالجفاف والبرد، ولا عجب في ذلك فقد عرف أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢١٥