وحق في التخفيف، وترك التكلف والتكليف، فلا يكلف أخاه ما شق عليه، بل
يروح سره من مهماته وحاجاته، وجملة حقوق المسلم أن تسلم عليه إذا لقيته،
وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات،
وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا
غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تتحاسدوا،
ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله) فاتركوا
الضغائن من قلوبكم والأحقاد، وتصافحوا على المحبة وسلامة الصدر والإيثار
وصدق الوداد، وليعتذر كل منكم لأخيه عما فرط منه، ليفوز برضاء الله عنه،
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس،
واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر) ، وقال صلوات الله عليه لمعاذ: (أوصيك
بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ
الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السلام، وخفض الجناح) .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: ابن القيم الجوزية
-----------------
<span class="footnote">
المعرفة بالله تعالى
بين ابن القيم في باب المعرفة من الجزء الثالث من (مدارج السالكين)
الفرق بين المعرفة والعلم لغة وشرعا من خمسة وجوه، ثم بين معناها في اصطلاح
الصوفية، وكلام أئمتهم فيها، ثم شرح ما قاله شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي
فيها، ونحن ننقل ما هو خاص بالتصوف،أي ما بعد الفروق الخمسة وهذا نصه:
والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن، أن المعرفة عندهم هو العلم
الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه، فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده، بل
لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما بالله، وبالطريق الموصل إليه، وبآفاتها،
وقواطعها، وله حال مع الله، فتشهد له بالمعرفة، فالعارف عندهم من عرف الله
سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له في
قصوده ونياته، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم تطهر من أوساخه وأدرانه
ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته، ثم دعا إليه على بصيرة بدينه
وآياته، ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله، ولم يشبها بآراء الرجال
وأذواقهم، ومواجيدهم، ومقاييسهم، ومعقولاتهم، ولم يزن بها ما جاء به الرسول
عليه من الله أفضل صلواته، فهذا الذي يستحق اسم العارف على الحقيقة، إذا سمي
به غيره على الدعوى والاستعارة [1] .
وقد تكلموا على المعرفة بآثارها وشواهدها فقال بعضهم: من أمارات المعرفة
بالله حصول الهيبة منه، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته. وقال أيضا:
المعرفة توجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته، وقال لي بعض
أصحابنا: ما علامة المعرفة التي يشيرون إليها؟ فقلت له: أنس القلب بالله، قال
لي: علامتها أن يحس بقرب قلبه من الله فيجده قريبا منه، وقال الشبلي: ليس
لعارف علاقة [2] ، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا
لأحد من الله فرار، وهذا كلام جيد، فإن المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق
كلها، وتعلقه بمعروفه، فلا يبقى فيه علاقة بغيره، ولا تمر به العلائق إلا وهي
مجتازة، لا تمر مرور استيطان، وقال أحمد بن عاصم: من كان بالله أعرف،
كان له أخوف، ويدل على هذا قوله تعالى ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: 28) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له
خشية "، وقال آخر: من عرف الله تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها، وقال غيره:
من عرف الله تعالى اتسع عليه كل ضيق، ولا تنافي بين هذين الأمرين؛ فإنه
يضيق عليه كل مكان لا يساعد فيه على شأنه ومطلوبه، ويتسع عليه ما ضاق على
غيره؛ لأنه ليس فيه، ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه، والأول