الرجل وهو أنه ما كان يقف في مثل هذا عند حد المصلحة العامة أو عند الحق
ومقتضى الفضيلة. وإنني أذكر هؤلاء - الذين تمثل بعضهم أمامي الآن - بما قلته
من قبل في السياسي الذي يشتغل بالسياسة فعلا من كونه لا يزن أعماله بالميزان
الذي يزن به الصوفي أو فيلسوف الأخلاق، وليس ما شرحته من سيرة الرجل في
هذه المسألة بالذي يكثر في عصرنا من تصل به الفضيلة إلى مثله. ولا هو بالذي
يرتقي إلى وضعه في ميزان سياسة عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب رضي
الله عنهما، ولا بالذي يعد من مقامات الصديقين، المشروحة في كتابي إحياء العلوم
ومدارج السالكين.
أين هذه السيرة ممن كان إذا سخط من أحد؛ لأنه لم يعظمه التعظيم الذي يحبه
لنفسه يغلو جهد طاقته في ذمه وإيذائه، ويقعد له بكل طريق يسير فيه ولو إلى
خدمة الملة والأمة، فيضع له العواثير، ويحفر له الأحافير، ولا يرقب فيه إلا ولا
ذمة؟ أيجوز أن يقرن هذا بذاك؟ كلا إن ذلك ظلم وجهل بأقدار الرجال، لا يذهب
إلى مثله إلا بلداء العوام وأغرار الأطفال.
(للترجمة بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الأخبار والآراء
(كتاب ابن الرشيد إلى الصدر الأعظم)
ذكر في بعض الصحف أن سعود باشا الرشيد كتب إلى الصدارة العظمى كتابا
قال فيه:
علمنا أن بعض الناس يقومون الآن في بعض الولايات طالبين من الدولة
العلية مطالب مجحفة بحقوق الدولة ومنافية للدين الإسلامي الحنيف، الأمر الذي
ساءنا جدا، وعليه ليكن معلوما لدولتكم ولدى العالم الإسلامي أجمع أننا لا نقبل هذه
الشئون المضرة بالدين الإسلامي والدولة. وإننا مستعدون مع كافة جنودنا وقبائلنا
للقيام بما تأمرنا به الدولة العلية ولا نحيد عن أوامر خليفتنا المعظم. اه.
ونحن نقول: (أفلح الأعرابي إن صدق) في قوله: إنه لا يرضى بما لا
ينافي الدين، وإنه لا يقبل الشئون المضرة بالدين والدولة، نقول هذا ونحن لا نعلم
ما هي المطالب التي يعنيها؛ إذ لم يبلغنا أن الناس طلبوا في بعض الولايات ما
ذكره، ولو أنه أشار إلى تلك المطالب لعلمنا مبلغ صحة حكمه عليها، وهل هو
مصيب فيه أو مخطئ؟ وهل قال قوله عن علم بأحكام دين الله أم لا؟
ويا ليت شعري إذا علم الأمير ابن الرشيد - أرشدنا الله وإياه إلى نصر الدين
والدولة - أن بعض الناس يطلبون من الدولة منع الفواحش والمنكرات كالسكر
والزنا والربا والمجاهرة بالفطر في رمضان نهارا من دار الملك والخلافة ومن
غيرها من البلاد العثمانية وإقامة الحدود الشرعية فيها كلها، وعدم بيع شيء من
أرضها أو معاداتها للأجانب، هل يكون مستعدا مع جنوده وقبائله لنصرته وشد
أزرهم؟ فإن كان ينصرهم ولو بلسانه وقلمه فليعلن هذا كما أعلن ذاك، وإن لم
يفعل علم العالم الإسلامي أجمع أنه غير مستعد الآن إلا لما كان يعده له السلطان
عبد الحميد من قبل من سفك دماء المسلمين في جزيرة العرب مهد الإسلام وحرزه
لأجل توسيع سلطته في بلاد أمراء آل سعود وتكثير ماله وإعلاء رتبه الرسمية
العثمانية عند من يرضيهم هذا وهو ما يتهمه به المشتغلون بالسياسة في ديار الشام
والعراق حتى الآن وإن من هؤلاء من هم أعلم بالشرع وأحكام الإسلام منه ومن
الصدر الأعظم أيضا.
ما يجب على أمراء جزيرة العرب الآن:
أما نحن فنقول له: إن أفضل خدمة يخدم بها الإسلام والدولة الإسلامية -
أيدها الله بتوفيقه وتسديده - هو أن يساعد على ما يجمع كلمة المسلمين على ما
يفرقها بأي اسم كان، وأول ما يجب عليه من ذلك عقد الاتفاق بينه وبين جاره
الأمير ابن سعود والعهد والميثاق على السلم والأمان، وأن لا يبغي أحدهما على
الآخر ولا يقاتله ألبتة، وإذا وقع خلاف بينهما على شيء يحكمان فيه من يرضيان