تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشيخ علي يوسف

في المؤيد وفي نفسه، وخلاصة القول فيها أنها كانت إسلامية

في كل حال، عثمانية مصرية معا أيام كانت الآمال والأماني تنوط بالدولة حل

المسألة المصرية بإخراج الإنكليز من مصر، ثم عثمانية محضة مصرية محضة

بعد ما خابت تلك الآمال، وطاحت تلك الأماني والأحلام، التي كان يقال في مثلها:

حياتنا بين أيدي المابين.

ثم عربية عثمانية في العهد الأخير، كما أشرنا إلى ذلك في فاتحة الكلام، بل

صارت خدمته للدولة في هذا العهد داخلة في سياسته الإسلامية العامة. وسيأتي

الكلام في سياسته المصرية خاصة.

يقول أعداؤه وخصومه في السياسة من قومه: إنه كان متقلبا في سياسته،

ويعدون عليه من ذلك ما قد يعد له، والسياسة متقلبة بنفسها، فالذي يجمد على حال

واحدة لا يستطيع أن يكون سياسيا؛ لأن الأحوال تتغير دائما، والسياسي هو الذي

يدور معها كيفما دارت. وفي الحكم والأمثال دوام الحال من المحال، وإنما يعاب

على الرجل أن يكون متقلبا في المقاصد لا في الوسائل.

فعلى هذه القواعد التي لا نزاع فيها يرد أنصار الفقيد شبهة خصومه بأنه كان

في سياسته أثبت من الأطواد، أما سياسته الإسلامية فالأمر فيها ظاهر، ولم يتهمه

بالتحول عنها متهم، وأما سياسته العثمانية فقد ثبت عليها حتى الممات أيضا،

وآخر خدمة خدم بها الدولة تأسيس جمعية الهلال الأحمر المصرية، وكان عضوا

عاملا في جمعية إعانة الحرب أيضا. نعم إنه شن على جمعية الاتحاد والترقي

حربا عوانا لاعتقاده أن ما سارت عليه في سياسة الدولة وإدارتها كان ضارا بالدولة

العلية والأمة العثمانية عامة، وقومه العرب خاصة، ومضعفا للرابطة بين الدولة

وبين مصر، ومنافيا للسياسة الإسلامية أيضا، ولم يكن رحمه الله منفردا بهذا

الاجتهاد بل كان متفقا مع جماهير العثمانيين من الترك والعرب الذين ألفوا عدة

أحزاب لمقاومة الجمعية، وصار أكثر أعضاء مجلس الأمة عليها فاضطرت إلى

حله بالإرادة السلطانية، ثم إن الجمعية نفسها صرحت بأنها كانت مخطئة في كثير

من أعمالها ومقاصدها وأنها رجعت عنها، ومنها تتريك العرب وغيرهم من الأقوام

العثمانيين.

فظهر للمتتبع للحوادث أنه قد ظهر أنه كان مصيبا في انتقاده، وكان آخر ما

ظهر للجمهور من ضرر سياستها هو أول شيء كان أول من انتقده عليها جهرا،

وهو جعل السلطة في أيدي الضباط وإشغالهم بالسياسة، وقد قال في هذا الموضوع

كلمته المشهورة في بيروت في أول العهد بإعلان الدستور، وسكر الناس كلهم

بخمرة الفرح والسرور، وهي أن السيف والسياسة لا يجتمعان في غمد واحد. قال

ذلك لما رأى بعض صغار الضباط الاتحاديين في بيروت يتصرف في الحكومة

تصرف الحاكم المطلق المستبد. ثم تبين أن ضرر اشتغال الضباط بالسياسة

والإدارة قد أضعف الدولة وقسم القوة فيها على نفسها، وكان أهم أسباب الخذلان في

الحرب البلقانية الأخيرة كما صرح به القائد الألماني الكبير البارون فندر غلترز

باشا منظم الجيش العثماني.

ويقولون: إن التقلب والذبذبة في السياسة العثمانية هو ما جرى عليه خصوم

الفقيد الذين صدق عليهم المثل رمتني بدائها وانسلت، ذلك بأنه ينتصرون لصاحب

القوة أخطأ أم أصاب نهض بالدولة أم هوى بها، فكانوا يقدسون السلطان عبد الحميد

ويقولون في طلاب الدستور والإصلاح منه أشد مما قال مالك في الخمر. وكان

قاعدة سياستهم ما وضعه لهم زعيمهم مصطفى كامل باشا من الغلو في السلطان

عبد الحميد والتشنيع على طلاب الإصلاح والدستور منه، حتى إنه أوجب على من

ينطق بالشهادتين، الشهادة لله تعالى بالوحدانية والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم

بالرسالة، أن يثلثهما بالشهادة للسلطان عبد الحميد إلخ، وقد صرحوا في جريدتهم

اللواء قبل إعلان الدستور بيوم واحد بأن طلاب الدستور أعداء الدولة الخونة؛ لأنه

يضر الدولة ويفسدها ... بل كانوا بعد إعلان الدستور أيضا يصيحون في وجوه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤١٦