والفقهاء عن قبول شهادة غير المسلم على المسلم، وتعجب من سعة أحكام القرآن،
التي يتوهم الجاهلون أنها ضد ما هي عليه من الإطلاق وموافقة كل زمان ومكان،
فتراهم ينسبون إلى القرآن كل ما ينكرونه على المسلمين من آرائهم، وأعمالهم،
وأحكامهم بالحق أو بالباطل، ولو كان المسلمون عاملين بالقرآن كما يجب، لما
أنكر عليهم أحد، بل لاتبعهم الناس في هديهم، كما اتبعوا سلفهم من قبلهم، بل
لكانوا أشد اتباعا لهم بما يظهر لهم من موافقة هدايته لهذا الزمان، وموافقتها لأرقى
ما وصل إليه من نظام وأحكام، وهذا من أجل معجزاته التي تتجدد بتجدد الأزمان.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
إعراب الآية الثانية الذي اضطرب فيه النحاة
قد تبين مما فصلناه أن الذين عدوا الآيتين في غاية الصعوبة لمخالفة مذاهبهم
لهما مخطئون، وأن الواجب رد المذاهب إليهما، لا تأويلهما لتوافقا المذاهب، وأما
الذين استشكلوا إعراب جملة من الآية الثانية، وعدوا لأجلها الآية أو الآيات في
غاية الصعوبة؛ فإنما أوقعهم في ذلك احتمال التركيب لعدة وجوه من الإعراب، بما
فيها من تعدد القراءات، مع اعتيادهم تقديم الإعراب على المعنى، وجعله هو
المبين له، وقد استحسنا بعد إيضاح تفسير الآيات بما تقدم أن نذكر ملخص ما قيل
في إعراب تلك الجملة نقلا عن " روح البيان " الذي يلتزم تحقيق المباحث النحوية
في جميع الآيات، عسى أن يستغني القارئ به عن مراجعة تفسير آخر، ونبدأ
بجواب الشرط لأنه مبدأ ما استشكلوه من الإعراب، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
﴿فآخران﴾ (المائدة: 107) أي فرجلان آخران، وهو مبتدأ خبره قوله
تعالى: ﴿يقومان مقامهما﴾ (المائدة: 107) والفاء جزائية، وهي إحدى
مسوغات الابتداء بالنكرة، ولا محذور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته، وهو
قوله سبحانه: ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ (المائدة: 107) وقيل هو
خبر مبتدأ محذوف أي فالشاهدان آخران، وجملة يقومان صفته، والجار والمجرور
صفة أخرى، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من ضمير يقومان، وقيل هو فاعل
فعل محذوف، أي فليشهد آخران، وما بعده صفة له، وقيل مبتدأ خبره الجار
والمجرور والجملة الفعلية صفته، وضمير مقامهما في جميع هذه الأوجه مستحق
للذين استحقا، وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما
هي، بل هو مقام الحبس والتحليف، واستحق بالبناء للفاعل على قراءة عاصم في
رواية حفص عنه، وبها قرأ علي كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس وأبي -
رضي الله تعالى - عنهم، وفاعله (الأوليان) والمراد من الموصول أهل الميت،
ومن الأوليين الأقربان إليه، الوارثان له، الأحقان بالشهادة لقربهما واطلاعهما،
وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام اللذين استحقا إثما، إلا أنه أقيم المظهر مقام
ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف، ومفعول استحق محذوف، واختلفوا
في تقديره فقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة؛ ليظهروا بهما كذب
الكاذبين، وقدره أبو البقاء وصيتهما، وقدره ابن عطية مالهم وتركتهم، وقال الإمام:
إن المراد بالأوليان الوصيان اللذان ظهرت خيانتهما؛ وسبب أولويتهما أن الميت
عينهما للوصية، فمعنى ﴿استحق عليهم الأوليان﴾ (المائدة: 107) خان في
مالهم وجنى عليهم الوصيان اللذان عثر على خيانتهما، وعلى هذا لا ضرورة إلى
القول بحذف المفعول، وقرأ الجمهور ﴿استحق عليهم الأوليان﴾ (المائدة:
107) ببناء استحق للمفعول، واختلفوا في مرجع ضميره، والأكثرون أنه الإثم،
والمراد من الموصول الورثة؛ لأن استحقاق الأثم عليهم كناية عن الجناية عليهم،
ولا شك أن الذين جني عليهم، وارتكب الذنب بالقياس إليهم هم الورثة، وقيل إنه