تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليجربه هناك فلم ينجح معه كما حدث للمسيح في أول نبوته (راجع لو 4:

1 -13

) ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين تسمى عندهم التينة المقدسة،

وبلغتهم (أجابالا) (Ajapala) .

ففي هذه الآية ذكر الله تعالى أعظم أديان البشر الأربعة الموحاة منه

تعالى لهدايتهم ونفعهم في دينهم ودنياهم، فالقسم فيها كالتمهيد لقوله بعده:

﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين: 4) إلى آخر السورة، ولا يزال

أهل الأديان الأربعة هم أعظم أمم الأرض وأكثرهم عددا وأرقاهم.

والترتيب في ذكرها في الآية هو باعتبار درجة صحتها بالنسبة لأصولها

الأولى فبدأ تعالى بالقسم بالبوذية؛ لأنها أقل درجة في الصحة وأشد الأديان

تحريفا عن أصلها كما يبدأ الإنسان بالقسم بالشيء الصغير ثم يرتقي للتأكيد إلى

ما هو أعلى.

ثم النصرانية وهي أقل من البوذية تحريفا، ثم اليهودية وهي أصح من

النصرانية ثم الإسلامية وهي أصحها جميعا [7] ، وأبعدها عن التحريف

والتبديل بل إن أصولها (الكتاب والسنة العملية المتواترة) لم يقع فيها

تحريف مطلقا.

ومن محاسن هذه الآية الشريفة غير ذلك ذكر ديني الفضل (البوذية

والمسيحية) أولا ثم ديني العدل (اليهودية والإسلام) ثانيا للإشارة إلى

الحكمة بتربية الفضل والمسامحة مع الناس أولا ثم تربية الشدة والعدل، وكذلك

بدأ الإسلام باللين والعفو ثم بالشدة والعقاب، ولا يخفى على الباحثين التشابه

العظيم بين بوذا وعيسى ودينيهما، وكذلك التشابه بين موسى ومحمد ودينيهما

فلذا جمع الأولان معا والآخران كذلك.

وقدم البوذية على المسيحية؛ لقدم الأولى كما قدم الموسوية على

المحمدية لهذا السبب بعينه، ومن محاسن الآية أيضا: الرمز والإشارة إلى ديني

الرحمة بالفاكهة والثمرة، وإلى ديني العدل بالجبل والبلدة الجبلية: مكة،

وهي البلد الأمين، ومن التناسب البديع بين ألفاظ الآية أن التين والزيتون

ينبتان كثيرا في أودية الجبال كما في جبل الزيتون بالشام، وطور سيناء

وهما مشهوران بهما، فهذه الآية قسم بأول مهابط الوحي، وأكرم أماكن

التجلي الإلهي على أنبيائه الأربعة الذين بقيت شرائعهم للآن، وأرسلهم الله

لهداية الناس الذين خلقهم في أحسن تقويم.

(استدراك)

نص كتاب صدق المسيحية The Truth Of Christianity في ص 560

على أن المسيحية انتشرت قديما في بلاد الهند، فلعل ذلك مما يساعد على

القول بالهجرة الهندية السابقة.

-----------------

<span class="footnote">

(1) جاء في كتاب حكايات من العهد الجديد لمؤلفه جولد الإنجليزي ص 126 أن رؤساء مدينة أورشليم لو كانوا اهتموا بأمر المسيح إذ ذاك، لأرسلوه إلى رومية أو لأنفذوا فيه العقوبة وحده اه فإذا كانوا عاملوه معاملة اللصوص وصلبوه بينهم فهل أبلغ بيلاطس اللصين أيضا إلى رومية؟ إذا كان ذلك فأين ما يؤيده من تواريخ الرومان القديمة التي ذكرت حادثة الصلب لتعيير النصارى وتحقيرهم كما يقولون؟ فأي تحقير أبلغ من ذكر صلب إلههم بين اللصوص إذا كانوا سمعوا به؟ وإن لم يكن بيلاطس بلغ خبر اللصين إلى رومية فلماذا إذا أبلغ خبر المسيح إليها مع أنه بإجماع المؤرخين

لم ينظر إليه بأكثر مما ينظر به إلى آحاد اليهود وضعفائهم؟؛ إذ لم يأت المسيح بأقل شيء يمس الرومان ودولتهم مطلقا، فإن قيل: إذا كانت معجزات المسيح التي ذكرها القرآن حقيقية، فلماذا لم يذكرها مؤرخو اليهود والرومان فيما ثبت أنهم كتبوه من التاريخ؟ قلت: لأن جل هذه المعجزات وأعظمها كان يعملها عليه السلام بعيدا من أورشليم في بعض القرى الصغيرة أو الخلوات بين تلاميذه وبعض عامة اليهود، وما كان يجيب أحدا منهم عن طلبه حينما يقترحون عليه عمل المعجزات (راجع مثلا يو 2: 18-20 و6: 30-40 ومر 8: 11 و12 ولو 22: 64) وغير ذلك، فلم ير الرؤساء من اليهود والرومان آياته، وإنما كانوا يسمعون عنها من عامتهم، حتى إن أكبر معجزاته وهي إحياء لعازر بعد دفنه بأربعة أيام لم يروها بأنفسهم، وإن سمعوا عنها ممن آمن به لأجلها من عامة اليهود (يو 11: 45 -47) وكذلك هيردوس كان يسمع عن آياته وما رأى شيئا منها بنفسه حتى لم يجبه المسيح عما طلب منه (لو 23: 8 و9) (وما راء كمن سمع ولو كان مؤمنا فما بالك إذا كان السامع كافرا به فيذهب في تأويل ما سمع مذاهب شتى ولا يصدق) وهؤلاء المؤرخون كانوا من خواص اليهود والرومان ولم يروا شيئا بأنفسهم، فما كانوا يصدقون ما يسمعون، ولا ينتظر منهم أن يدونوا في تواريخهم ما لا يعتقدون. أما معجزة خلق (أي تقدير وترتيب) قطعة من الطين كهيئة الطير وصيرورتها طيرا بإذن الله، والكلام في المهد، فوقعتا في صغره وفي مدينة الناصرة وهي قرية في الخليل صغيرة حقيرة عند اليهود ولم يكن فيها أحد من كبار الرجال ومشاهير الكتاب، فلذلك لم يروهما أحد غير بعض أتباعه الجليليين، فذكرتا في إنجيل توما وإنجيل الطفولية وغيرهما من الأناجيل غير القانونية عند النصارى الآن، ونسيها الآخرون منهم لبعد زمنها ولوقوعها قبل أن يشتهر أمر عيسى بين الناس. وأما قصة تفتح القبور وقيام كثير من أجساد الراقدين ودخولهم مدينة أورشليم وظهورهم للناس كما قال متى (27: 51 - 54) فإنما أنكرناها؛ لأنهم ادعوا أنها وقعت في أعظم مدن اليهود حيث يوجد كبار الرجال منهم ومن الرومان، ومع ذلك لم يروها أحد غير متى، ولم يروها إنجيل آخر مما كتبه نفس أتباع المسيح مع القول بأنها وقعت بعد أن ذاع صيته وكان له أتباع كثيرون.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٠٠