تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجلد رقم (19)

شعبان - 1334ه

يونيه - 1916م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

فاتحة السنة التاسعة عشرة للمنار

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحانك اللهم وبحمدك أنت المحمود على كل حال، عالم الغيب والشهادة

الكبير المتعال، قوي المحال عظيم النوال، تعطي من تشاء ولو بغير سؤال،

وتحول ما شئت من حال إلى حال، قوة بعد ضعف، وغنى بعد فقر، وعز بعد ذل

وكل ضد يعقبه ضد، فما رفع الله شيئا إلا وضعه، ولا وضع شيئا إلا رفعه، وكل

شيء عنده بمقدار {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله

بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} (الرعد: 11) .

نحمدك اللهم بالغدو والآصال، ونصلي ونسلم على محمد خاتم رسلك وآله

وصحبه خير صحب وآل، وعلى من تقدمه وتقدمهم من النبيين والمرسلين، ومن

تأخر عنهم من الصديقين والشهداء والصالحين، واهدنا اللهم صراطهم المستقيم في

الدنيا من الأخلاق والأعمال، ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال﴾ (إبراهيم: 31) .

أما بعد: فإن المنار يذكر قراءه على رأس عامه التاسع عشر، بأن يعتبروا

بما نزل بأقوى أمم البشر، من آثار عزته تعالى وقوته، ومظاهر عدله وحكمته،

الدالة على أنه هو الذي يغير ولا يتغير، ويبدل ما شاء بما شاء ولا يتبدل وأن

الأمن من مكره غرور ووبال، والقنوط من رحمته كفر وضلال، وأن القوة لا تغلب

الحق، ولكنه قد تكون بالحق وللحق ومن الحق، وأن الحق ليس بمجرد دعوى

اللسان، ولا مجرد ما يجري عليه الناس من عرف واصطلاح، فحقق الملك وسياسة

العباد، لا يجب أن يورث عن الآباء والأجداد، وإنما أحق الناس بأمر الناس، من

كان أنفعهم للناس، وإقامة سنن الله تعالى في الاجتماع {أنزل من السماء ماء فسالت

أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع

زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما

ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} (الرعد: 17) .

ثم يذكرهم على عادته بما طرأ على سير الإصلاح، بعد أن خفتت أصوات

المعارضة في جميع الأقطار، وهو شيء حدث في هذه الديار، ذلك بأن فيها

كغيرها أناسا اغتروا بمظاهر القوة المادية، فاحتقروا قوى العقائد والفضائل

الروحية، وفتنوا بتقليد الأقوياء بما هو من آفات القوة ومفاسدها، لا من أسبابها ولا

من محامدها، كالسرف في الزينة والترف، والانغماس في الشهوات واللذات،

وأعجب أمرهم أن منهم من يدعون الدعوى إلى الإصلاح، والصعود بالضعفاء إلى

مستوى الأقوياء، أولئك هم الملاحدة المتفرنجون، الذين يفسدون في الأرض ولا

يصلحون، وإنما حجتهم على عامة المسلمين، سوء حال كثير من المعممين،

وتذللهم للأمراء والحاكمين، وذمهم بعصبية الدين، وإن لهؤلاء الملاحدة لقوة من

غيرهم لا من أنفسهم ولكنهم يعتزون بها، وإن منهم من يكيد للمؤمنين مكايد لا

يفطنون لها، وإن للمؤمنين لقوة ذاتية ولكنهم غافلون عنها، وإنما بقاء الباطل في

غفلة الحق عنه، فإذا قذف عليه دمغه، وإن بقاء الباطل لإلى زوال {وما كيد

الكافرين إلا في ضلال} (غافر: 25) .

قد كان ملاحدة قطرنا هذا أجبن ملاحدة المسلمين وأخوفهم من إظهار الكفر،

على كونهم أجرأهم على الجهر بالفسق، ثم تجرأ أفراد منهم منذ سنين على

التصريح به أو ببعض لوازمه في الجرائد، بعد طول العهد على تصريح الكثيرين

بذلك في المجالس، ومنهم من ألف كتبا أو رسائل في ذلك؛ ثم بلغنا في العام

الماضي أنهم ألفوا جمعية لأجل التعاون على تشكيك الناس في الإسلام وجذبهم إلى

الإلحاد، والطعن في عقائد الدين وآدابه وأحكامه ولا سيما الآداب والأحكام الخاصة

بالنساء. وأنشئوا لهم صحيفة لدس الدسائس، وبث الوساوس، وتوجيه العناية فيها

إلى نابتة المدارس، وبناء دعوتهم على قاعدة التشويه للقديم والصد عنه، والتنويه

بالجديد والترغيب فيه، وإن لهم لأنصارا في القصور والدواوين، وفي المدارس

وأكبر معاهد الدين، وقد استفادوا من تقييد حرية المطبوعات بسبب الحرب، ما

كفوا به أقلام من تصدى لإحباط بعض دسائسهم من أهل الحق، وإنهم ليختلبون

ألباب المختبلين من الشبان والشابات، بما ينمقون من زخرف الشبهات {ومن

الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام

* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب

الفساد} (البقرة: 204-205) .

فبهذا قد وجب على أهل الإصلاح أخذ الأهبة لجهاد جديد، هو أشد من جهاد

أصحاب الخرافات والتقاليد، فإن أصحاب الخرافات عزل وهؤلاء الملاحدة

مسلحون، وأولئك ضعفاء متفرقون، وهؤلاء أقوياء مجتمعون، وأولئك غافلون

متواكلون، وهؤلاء أيقاظ حذرون، فإذا جاهد أهل الإصلاح أباطيلهم بمثل ما

يجاهدون به الحق، من الاجتماع والتعاون والحزم، كانوا حزب الله الغالبين

﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: 40) , {إنا

لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد * يوم لا ينفع

الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} (غافر: 51-52) .

إن هؤلاء الملاحدة لا يخافون من الأزهر وما يتبعه من المعاهد الدينية ما

داموا يدعون الإسلام بألسنتهم، بل لا يعدمون هنالك أولياء وأنصارا لهم، لما بين

نفاق الاعتقاد ونفاق الأعمال، من رابطة التناسب والاتصال، ويقال: إن لجمعية

الإلحاد الجديدة ركنا في الأزهر ركينا، وإنهم بذلك أوشكوا أن يحدثوا فيه حدثا مبينا

ولكنهم لم يصيبوا به إلا خذلانا وفشلا مهينا، ولأن كلا منهما يؤثر المنافع الخاصة

ويتوسل إليها بما في يده من المصالح العامة؛ ولأن أكثر الأزهريين، لا يعنون

بالنظر في مكتوبات المتفرنجين، وما كل من ينظر فيها، يفهم المراد منها، وما

كل من يفهم أن فيها طعنا على الدين يهتم بالدفاع عنه، وما كل من يهتم منهم بذلك

يقدر عليه، وما كل من يقدر عليه يقوم به. لأجل ذلك كله لا يحسب هؤلاء

الملاحدة للأزهريين حسابا، وقد يكذب الأزهر ظنهم فيه كذابا، وإنما يخافون من

رجال الإصلاح سواء كانوا من الأزهر أو من غير الأزهر؛ لأنهم أقدر الناس على

إظهار عوارهم، وتقليم أظفارهم، ولأن كل ما يزعمونه ويتقربون به إلى الأمة من

السعي إلى ترقيتها وتمدينها، قد سبقهم إليه طلاب الإصلاح الإسلامي مع المحافظة

على مقومات الأمة ومشخصاتها، وإنما أركانها الدين واللغة والعادات والأزياء،

وهم يحاولون هدم ذلك كله بلا استثناء.

واضرب لهم مثلا ما قاله أحد الظرفاء مفاكها للأستاذ الإمام - وهو في مرض

موته - قال: إن طريقتك في تفسير القرآن قد أضرت الأمة أعظم الضرر! قال

الأستاذ لماذا؟ قال: لأنها أبانت للناس أن الدين موافق للعقل والعلم وركن من

أركان المدنية، فتعذر علينا ما كنا نحاول من هدمه بدعوى أنه عقبة في سبيل

ترقينا في دنيانا. فمن هذه الجملة التي عبر قائلها عن خدمة الأستاذ الإمام العليا

للدين وللمسلمين، ينجلي لنا رأي هؤلاء الملاحدة في الإصلاح والمصلحين {يثبت

الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين

ويفعل الله ما يشاء} (إبراهيم: 27) .

من أجل هذا كانت مدرسة الدعوة والإرشاد قذى في أعينهم، وشجى في

حلوقهم، وطخا على قلوبهم، وما زالوا يكيدون لها، حتى حالوا دون أعظم إعانة

كانت تنتظرها، وقد كان أشدهم سعيا وسعاية، أشدهم استهزاء بالدين وزراية،

ذلك الذي كلما عن مطعن يلوي عنقه ويهز أكتافه، وينغض رأسه ويثني أعطافه،

ويتبسم ساخرا، أو يغرب ضاحكا - ذلك الذي يعلم رئيسه الآن، أنه يأكل لحم

الخنزير جهرا في نهار رمضان، ولو زدنا في وصفه لعرفه كثير من الناس، وإنما

الغرض بيان الصفات والأعمال، وعلى هذه الشاكلة كل أولئك الصلال، الذين لم

يرضوا بسكوت المسلمين لهم على الضلال، حتى تصدوا للعدوان والصيال،

﴿وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ (إبراهيم: 46) .

فهم على ما هم، {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن

القول} (محمد: 30) وفيما يوجهون إليه القوة والحول، فمنهم من يحاول هدم

الإسلام، بالدعوة إلى استبدال لغة العوام بلغة القرآن، ومنهم من يبتغي التشكيك فيه

بنشر آراء الماديين، من القدماء والأوربيين، ومنهم من يصد عن محجته،

بتفضيل ما عرفوا من القوانين على ما جهلوا من شريعته، ومنهم من ينفر عما

حرمه من آدابه الروحية والاجتماعية، تلذذا بما حرمه من الشهوات الضارة

والعادات البهيمية، ومنهم من هم أقصر من هؤلاء نظرا، وأظلم بصيرة وأفسد ذوقا،

وهم الذين يحتقرون مشخصات أمتهم (كالجبة والعمامة) ويهزءون بها،

ويرغبون في الاستعاضة بالأزياء الغربية عنها، ويتوهمون أنهم قد عرجوا بذلك

إلى مستوى من فلسفة الذوق والجمال، لا يعرفه إلا من حلق في جو الخيال إلى

أوج الكمال، كمخترعات الأزياء الجديدة (الموده) من ربات الغنج والدلال، ولو

عقلوا ما تجره هذه الفلسفة النسائية أو الصبيانية من الخزي والنكال، أو قرءوا

وفهموا ما قاله الدكتور سنوك الهولندي في خطبته في مستقبل الإسلام، لودوا لو

كانوا من ربات الحجال، راجعين عن مذهب السفور ومخالطة نسائهم للرجال،

وإنما يلوذ هؤلاء وأولئك بخلابة المقال {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون

من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب} (البقرة: 212) .

وجملة القول أننا بعد أن فرحنا بنصر الله - تعالى - لحزب الإصلاح على

المبتدعة والدجالين , قد ابتلينا بتكوين حزب للملاحدة المارقين، يواليه أفراد من

أغرار الشبان وكهول المنافقين، فإذا ترك هؤلاء وشأنهم، وسكت لهم أهل الحق

على ما ينفثون من سموم أباطيلهم تعظم جرأتهم، وتنتشر دعوتهم، وتكبر فتنهم،

وليس الاستظهار عليهم بالأمر العسير، فإن حجتهم داحضة، وغواياتهم متناقضة،

وغاياتهم متعارضة، يخافون الردة الصريحة، أن تحرمهم احترام الأمة وبعض

مناصب الحكومة، فالجريء منهم على التصريح بالكفر على رءوس الأشهاد قليل،

وإنما يصرحون غالبا بما يظنون أنه يحتمل التأويل، كزعمهم أن النبي عليه الصلاة

والسلام، أقر العرب على بعض عباداتهم الوثنية؛ لأجل استمالتهم كما فعل بعض

البابوات، وهذان من أقبح البهتان، فإن ما أقره الإسلام من مناسك الحج كان من

شريعة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، فهو الذي بنى بمساعدة ولده إسماعيل

البيت العتيق، وطهره للطائفين والعاكفين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج

فلبوه من كل فج عميق ومن دعائه عليه الصلاة والسلام، {رب اجعل هذا البلد

آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم: 35) .

هذا وإن سواد المصريين الأعظم يغار على دينه، ويذب عنه بشماله ويمينه

حتى إن أكثر المتعلمين في المدارس المتفرنجة والإفرنجية، ليتعصبون له عصبية

سياسية اجتماعية، لا يشعر بمثلها المتعلمون في المعاهد الدينية، فهم يمقتون من

يجعل نفسه داعية للكفر، ويلفظونه كما تلفظ النخامة من الفم، ويعلمون أن ما

يتوخاه هؤلاء من نباهة الذكر عند الأوربيين، والتشبه بمن ناهضوا الكنيسة

ورجال الدين، ليس بالغرض الصحيح الذي يعذرون فيه، ولا العمل المفيد للدنيا

فيساعدهم من لا يؤمن بالآخرة عليه، فهم لا يجدون في الإسلام، ولا في رؤسائه

تلك الأسباب التي حملت بعض كتاب أوربا وجمعياتها السياسية على مجاهدة

الكنيسة ورجالها والطعن في نفس النصرانية، فالإسلام نفسه أرشد البشر إلى العلوم

العقلية والكونية، وأوجب الفنون والصناعات المدنية، وأخرج البشر من رق

رؤساء الدين والدنيا إلى فضاء الحرية، وأما رجال الدين الرسميين في مصر فلا

مجال لاتهامهم بعصبية دينية، ولا بمقاومة الحرية العلمية ولا العملية، أنى وشيخ

الأزهر ومفتي الديار المصرية، وشيخ مشايخ طرق الصوفية، قد اشتركوا في جمع

الإعانة لجمعية الصليب الأحمر، حتى فرضها الأول على جميع أصحاب الرواتب

في الجامع الأزهر، وحضروا ما كانوا يتحامون من المحافل، في معاهد التمثيل

والفنادق؟ وقد حضر المفتي حفلة الصلاة على روح لورد كتشنر في هذه الأيام،

كما حضر الصلاة على روح بطرس باشا منذ أعوام، فلم يبق لهؤلاء الملاحدة ما

ينقمونه من هؤلاء العلماء، إلا عدم مشايعتهم إياهم على السفور ومخالطة النساء،

ولعلهم لا يرضونه منهم إلا أن يغيروا هذه الأزياء {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ

هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا

ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد} (آل عمران: 8-9) .

... ... ... ... ... منشئ المنار ومحرره

... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٩ · الصفحة ١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٩ · ص ١