ولا كيف يمنحه الناس للحاكم من تلقاء أنفسهم.
تلك إشارة وجيزة إلى ما رأيناه من خطأ هذه اللائحة في موضوع المستشارين؛
ولنا عليها انتقادات أخرى لا حاجة إلى بسطها، ولما كنا جازمين بأن الحكومة
المركزية يستحيل أن تقبل هذه اللائحة، ولا سيما الوزارة الاتحادية منها التي لا
يرضيها إلا استبداد العاصمة في المملكة - فالواجب على طلاب الإصلاح المخلصين
من أهل بيروت أن ينضموا إلى حزب اللامركزية الإدارية؛ لتكون يد الجميع
واحدة ويد الله على الجماعة - كما ورد - والله الموفق.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
المسألة العربية عند الاتحاديين
من لم تفده عبرا أيامه ... كان العمى أولى به من الهدى
كنا نقول: إن مصيبتنا بهؤلاء الاتحاديين الذين ورثوا ملك عبد الحميد أنهم
أصحاب نظريات في السياسة والإدارة يجربونها في هذه الدولة التي يجب الجري
فيها على قواعد ثابتة؛ لأنها لم تعد تحتمل التجارب، وكنا نظن أنها إذا لم تفاجئها
الدواهي الخارجية في أثناء هذه التجارب فربما ظهر لهؤلاء العاملين خطأهم فرجعوا
عنه، وقد رأينا القوم خابوا وفشلوا في كل شيء، واعترف بعضهم ببعض خطأهم
وادعوا أنهم رجعوا عن بعضه، وأنهم سيرجعون عن بعض آخر، ولكنهم لم يفوا
بوعد، ولا رجعوا عن سوء قصد، ولا اعتبروا بالحوادث، ولا تأدبوا بالكوارث،
بل ازدادوا كذبا وخداعا، وهذا من الغرور الذي قلما يوجد في البشر له نظير،
والأمثلة على هذا كثيرة جدا، بل أعمالهم اليوم هي عنوان أعمالهم بالأمس، لا
فرق بين ما كنت تراه منها في أول عهد وزارتهم (الحقية) إذ كانوا يدلون ببأسهم
وقوتهم وجيوشهم، وبين ما تراه على عهد وزارتهم (الشوكية) بعد أن أضاعوا ثلثي
المملكة بإضاعة طرابلس الغرب وبرقة وجميع الولايات الأوربية، ومعظم الجزر
البحرية، وبعد إفساد الجيش والتفريق بين العناصر وإضاعة الأموال، فهم بعد هذا
كله لم يتحولوا عن سياستهم السوءى في المسألة العربية التي أحدثوها في هذه
المملكة وقطبها عندهم الضغط والإرهاب بالقوة من جهة والغش والمخادعة من جهة
أخرى، وغرضنا من هذا أن نقول كلمة في هذه المخادعة:
زرت الآستانة في أوخر سنة 1327 وبقيت فيها إلى آخر ما بعدها وكان
مما اجتهدت في تلافيه سد ثغرة التنافر بين الترك والعرب. ولما حدثت طلعت بك
الزعيم الاتحادي في ذلك وكان ناظرا للداخلية وقابضا على زمام الإدارة والسياسة
في الدولة - أظهر لي قبول رأيي وكان مما قاله: إنهم عازمون على إنشاء جريدة
عربية في الآستانة؛ لأجل استمالة العرب ومودتهم، فسألته عمن يقوم بإدارة هذه
الجريدة وتحريرها فقال: عبيد الله أفندي مبعوث آيدين.
قلت: إن الرجل معروف ببغض العرب والعربية، فلا أراه يزيد مسافة الخلف
إلا انفراجا أو اتساعا إلخ ما دار بيننا في ذلك، ثم ظهرت جريدة باسم العرب؛
وكان ما كان من أمر قيامة الجرائد العربية عليها في سورية والعراق ومصر
وأمريكة وغيرها من البلاد، واشتهر عند الخاص والعام في هذه الأقطار أن هذه
الجريدة أسست للتفريق بين العرب وغشهم ومخادعتهم وتحقير مصلحيهم، وإيقاع
الشقاق بين مسلمي سورية ونصاراهم منهم، وبهذا بطل الغرض من إنشائها
فاضطروا إلى إبطالها.
شاويش خلف عبيد الله:
ثم بدا لهم أن ينيطوا هذه المفسدة برجل يعده بعض العرب منهم؛ فلم يروا
أحدا أهلا لذلك إلا الشيخ عبد العزيز شاويش؛ لأنه كان قد مهد السبيل إلى ثقتهم بما
كان ينصر جمعيتهم ويطري زعماءهم في جريدة العلم، وبمقاومته لمشروع الدعوة
والإرشاد ثم بطعنه في مسلمي العرب وزعمه أنهم أضر على الدولة من نصارى
البلغار والروم وغيرهم.
بمثل هذا تقرب شاويش إلى جمعية الاتحاد والترقي عدوة العرب والإسلام