مدرسة دار الدعوة والإرشاد
دروس سنن الكائنات
محاضرات علمية طبية إسلامية للدكتور محمد توفيق صدقي
(6)
(4) اللحم:
يؤخذ هذا الصنف من الطعام من الأنعام، والطيور، والحيوانات البحرية،
والمعتاد أكله من الحيوانات البرية هي التي لا تأكل اللحم لحكمة ستظهر في الكلام
على الديدان المعوية فيما يأتي إن شاء الله.
واللحم نوعان: اللحم الأبيض، واللحم الأحمر، فمثال الأول لحم الأرانب،
ومثال الثاني لحم الضأن، والأبيض أسهل هضما من الأحمر؛ ولكن الأحمر أكثر
تغذية لاشتماله على جزء من مادة الهيموجلوبين فتكثر الدم، واللحم يشتمل على
جميع الأجزاء الضرورية للجسم تقريبا، ففيه الماء، والزلال ونحوه من المواد
الآزوتية كالجلاتين، والزنثين (xanthin) [1] ، وغيرهما، وفيه أيضا الدهن
والمواد الكربوهيدراتية: الجليكوجين، وسكر العنب، والإينوسيت Inosite [2]
وفيه أيضا أملاح عديدة منها فسفات البوتاسيوم، وملح الطعام، وغيرها، وكل هذه
المواد تختلف مقاديرها باختلاف الحيوانات المتنوعة، وهي توجد بكثرة عظيمة في
لحم الدجاج، فهو أكثرها تغذية، وفي اللحم أيضا حامض الساركولكتيك
(Sarcolactic [3] إذا كان جديدا فلذا ينفع في الإسكربوط، ويوجد في الخنزير
الشحم بكثرة تفوق سائر أنواع اللحوم الأخرى، فلذا كان أعسر اللحوم هضما؛ لأن
الشحم فيه يحيط بأليافه العضلية؛ فيحول دون وصول العصارات الهاضمة إليها
فيتعب المعدة والأمعاء، وقد يحدث منه القيء أو الإسهال، وربما هيأ الزائدة
الدودية للالتهاب؛ ولذلك تكثر إصابتها به في بلاد الإفرنج؛ فإن فساد الهضم من
أسباب هذا المرض.
وكثيرا ما تكون الحيوانات مصابة بأمراض متعددة مثل الدرن [4] ، والجمرة
الخبيثة، وأنواع كثيرة من الديدان سنذكرها تفصيلا فيما يأتي، فلذا يجب أن يكون
الحيوان المأكول سليما من كل مرض، ويجب أيضا طبخ اللحم جيدا حتى نقتل فيه
الميكروبات، وأكياس الديدان بقدر الإمكان , وأضر ديدان تنشأ من أكل اللحوم هي
الديدان التي تنشأ من أكل الخنزير، وهذه حكمة أخرى في تحريمها، ولا يتوهمن
القارئ أن الطبخ يزيل جميع أضرار اللحوم المريضة، فإنه إذا قتلت الميكروبات
بسبب شدة الحرارة بقيت سمومها، وكلما اشتد الطبخ للتأكد من قتلها زاد تجمد
المواد الزلالية، وعسر هضمها، على أن الطبخ قد لا يقتل بعض ميكروبات الدرن
التي تكون في باطن اللحم؛ لأنه موصل رديء للحرارة.
أما لحوم الحيوانات البحرية فمن أسهل اللحوم هضما، وقد لوحظ أن الناس
الذين يأكلونها بكثرة أقوياء البينة أصحاء، إلا أنه قد يصاب بعضهم بالجذام فلذا
ظن بعض الأطباء أن الاقتصار على أكل السمك، أو الإكثار من أكل الفاسد المتعفن
منه كالفسيخ مما يهيئ الجسم لقبول هذه المرض الخبيث؛ ولكن ذلك لم يثبت إلى
الآن.
ومن أنواع الحيوانات البحرية، الحيوانات ذوات الأصداف كالبطلينوس،
وهي سهلة الهضم جدا، غير أن ميكروب الحمى التيفودية قد يوجد فيها.
ومن أنواعها أيضا السرطان البحري ونحوه، وهي لكثرة أكلها المواد القذرة
تضر آكليها بذلك وبشدة عسر هضمها، وأجود أنواع السمك هو الذي يصطاد حيا
من المياه الجارية النظيفة، والسمك سريع الفساد، فلذا يجب أن لا يترك زمنا
طويلا بل يؤكل غضا غريضا، ويعرف السمك الغريض (الطازة) بيبس لحمه،
وبانتصاب ذيله، والسمك الفاسد المتعفن هو من أضر المأكولات؛ فإنه يتولد فيه
من الفساد بعض مواد سمية آزوتية تسمى (Ptomaines) [5] ، وهي شديدة
الخطر حتى أن كثيرا من الناس قتلوا بسبب أكلهم السردين والفسيخ، ومن لم يمت
منهم قد يصاب بالدوار، والصداع، والإسهال، أو القيء، وغير ذلك.
أما البطارخ (وتسمى الصعقر وهي عبارة عن بيض السمك) فهي أقل فسادا
من لحمه، وهي مغذية محرضة لشهوة الطعام، ويشترط أن لا يكثر الإنسان من