المجلد رقم (18)
ربيع الأول - 1333ه
فبراير - 1915م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
فاتحة السنة الثامنة عشرة للمنار
بسم الله الرحمن الرحيم
سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا
إله غيرك {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء
وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} (آل عمران: 26) .
سبحانك اللهم وبحمدك، ما أعدل حكمك، وما أجل حكمتك! وما أوسع علمك
وما أنفذ مشيئتك {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت
تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون} (الزمر: 46) .
سبحانك اللهم وبحمدك، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك،
أسبغت النعم ظاهرة وباطنة، وأفضت أنوار الكرم بارزة وكامنة، ووهبت العقول
والمشاعر، وبينت السنن والشعائر، وأكملت هداية الدين ببعثة محمد خاتم النبيين
فصل وسلم اللهم عليه وعلى آله الأئمة الطاهرين، وأصحابه الهادين المهديين.
اللهم إن نعمك لا تحصى، وقد كفرها الكافرون، وإن صراطك المستقيم لا
يخفى، وقد تنكبه الضالون، وإن حكمك لهو الحق وإن عمي عنه المبطلون، وإن
عدلك لهو القسطاس وإن جهل الظالمون، {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا
يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف: 34) {حتى إذا أخذنا مترفيهم
بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} (المؤمنون: 64-
65) .
ربنا إنك آتيت أقواما الغنى فطغوا وفسقوا عن أمرك، وآتيتهم القوة فبغوا في
أرضك، ربنا ليضلوا عن سبيلك، بما أعرضوا عن دليلك، {ربنا اطمس على
أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} (يونس: 88) ,
{بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض
ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون} (الأنبياء: 44) .
يا أيها الناس لا خير في الحضارة المدنية، إذا أقيمت على قواعد الأثرة
والقوة المادية، ولا خير في العلم ولا في العمران، إذا كانا وسيلة لاستعباد الإنسان
لأخيه الإنسان، أفلا يعلم الذين جعلوا الحق كله للقوة أن الله الذي خلقهم هو أشد
منهم قوة، وأنه بعباده رؤوف رحيم وإنما يرحم الراحمين، وأنه يأمر بالعدل
والإحسان وخص بمحبته المحسنين، {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان
عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما
كانوا يكسبون} (غافر: 82) {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان
عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما
عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (الروم: 9) [*] {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب * أم لهم ملك
السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب * جند ما هنالك مهزوم من
الأحزاب} (ص: 9-11) ، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
واحدة} (النساء: 1) , {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا} (الحجرات: 13) لا لتتناكروا وتتخالفوا، {وسخر لكم
ما في السموات وما في الأرض} (الجاثية: 13) لتشكروا لا لتكفروا،
ولتصلحوا لا لتفسدوا، وليس الإصلاح في الاستعانة بقوى المواد وخواص الأشياء،
على إفساد أمر الناس الذين خلق الله لهم جميع الأشياء، وإنما الإصلاح كل
الإصلاح أن تستعينوا بما آتاكم الله من العلم والعرفان، وما هداكم إليه من تسخير
القوى الكامنة في الأجسام، على جعل منافعها شرعا بين جميع الناس، وجعل
الغاية منها إيصال الشعوب كلها إلى ما يمكن من الكمال. وإن الإفساد كل الإفساد
أن تحتكر الشعوب العالمة منافع العلم، وتجعله ذريعة لبغي بعضها على بعض،
واستذلال الشعوب الضعيفة في الأرض، وتسخيرها لخدمتها كما تسخر الحيوان