يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض الأدنى، ولا
ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه، ووقته، وزمانه،
بحيث يصير كأنه لا وجود له، ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود، وظنوا أنه
ليس لغيره وجود البتة، وغرهم كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة
من الطائفة فجعلوها عمدة لكفرهم وضلالهم، وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم،
وتصير طريقة الناس واحدة ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (التوبة: 32) .
وقوله: (وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي) يريد أن الحق سابق [29]
على الاسم [30] الذي هو الوقت، أي هو منزه عن أن يسمى بالوقت، فلا ينبغي
إطلاقه عليه، لأن الأوقات حادثة.
قوله: لكنه اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا
وجودا محضا تلاشي الرسوم اضمحلالها وفناؤها، والرسوم عندهم ما سوى الله،
وقد صرح الشيخ أنها إنما تتلاشى في الكشف، لا في الوجود العيني الخارجي،
فإن تلاشيها في الوجود خلاف الحس والعيان، وإنما تتلاشى في وجود العبد الكشفي
بحيث لا يبقى فيه سعة للإحساس بها لما استغرقه من الكشف، فهذه عقيدة أهل
الاستقامة من القوم.
وأما الملاحدة أهل وحدة الوجود، فعندهم أنها لم تزل متلاشية في عين وجود
الحق، بل وجودها هو نفس وجوده، وإنما كان الحس بين الوجودين فلما غاب عن
حسه بكشفه تبين أن وجودها هو عين وجود الحق؛ ولكن الشيخ كأنه عبر بالكشف
والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه، والكشف هو دون الوجود عنده،
فإن الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه فليس معه استغراق في الفناء
والوجود لا يكون معه رسم باق، ولذلك قال (لا وجودا محضا) فإن الوجود
المحض عنده يفني الرسوم، وبكل حال فهو يفنيها [31] من وجود الواجد لا يفنيها في
الخارج.
وسر المسألة الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر غير وجوده الطبيعي
المشترك بين الموجودات، ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه نسبة النشأة
الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المشاهدة في العالم،
وكنسبة هذه النشأة الأخرى.
فللعبد أربع نشآت: نشأة في الرحم حيث لا بصر يدركه، ولا يد تناله،
ونشأة في الدنيا، ونشأة في البرزخ، ونشأة في المعاد الثاني [32] ، وكل نشأة أعظم
من التي قبلها، وهذه النشأة للروح والقلب أصلا، وللبدن تبعا، فللروح في هذا
العالم نشأتان: (إحداهما) الطبيعية المشتركة (والثانية) نشأة قلبية روحانية يولد
لها قلبه، وينفصل من مشيمة طبعه، وكما ولد بدنه، وانفصل من مشيمة البطن،
ومن لم يصدق بهذا، فليضرب عن هذا صفحا، وليشتغل بغيره. وفي كتاب الزهد
للإمام أحمد أن المسيح - عليه السلام - قال للحواريين: إنكم لن تلجوا ملكوت
السماء حتى تولدوا مرتين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول:
هي ولادة الأرواح، والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطبيعة كما ولدت
الأبدان من البدن، وخرجت منه، والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة، والله
أعلم.
قوله: (وهو فوق البرق والوجد) يعني أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه
الرسوم فوق منزلتي البرق والوجد؛ فإنه أثبت وأدوم، والوجود فوقه لأنه يشعر
بالدوام، قوله: (وهو يشارف مقام الجمع لو دام) أي لو دام هذا الوقت لشارف
مقام الجمع، وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق سبحانه شغلا به عن غيره، فهو
جمع في الشهود، وعند الملاحدة هو جمع في الوجود، ومقصوده أنه لو دام الوقت
بهذا المعنى الثالث لشارف حضرة الجمع لكنه لا يدوم.
قوله: (ولا يبلغ وادي الوجود) يعني أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه
وادي الوجود حتى يقطعه، ووادي الوجود هو حضرة الجمع، قوله: (لكنه يلقي
مؤنة المعاملة) يعني أن الوقت المذكور، وهو الكشف المشارف لحضرة الجمع