ويصح أن يكون عيرة بالعين المهملة [18] ، والياء المثناة من تحت ومعناه أن
العلم يكسوه عيرة [19] من حجابه عن مقام صاحب الحال، فيعار من [20] احتجابه
عن الحال بالعلم، وعن العيان بالاستدلال، وعن الشهود الذي هو مقام الإحسان
بالإيمان الذي هو إيمان بالغيب.
قوله: (ويريه غيرة تفرق طورا) هذا بالغين المعجمة ليس إلا، أي ويريه
العلم غيرة تفرق في أوديته، فيفرق بين أحكام الحال، وأحكام العلم، وهو حال
صحو وتمييز، وكأن الشيخ - رحمه الله - يشير إلى أن صاحب هذا المقام يغار
تفرقه [21] من جمعيته على الله، فنفسه تفر من الجمعية على الله إلى تفرق العلم،
فإنه لا أشق على النفوس من جمعيتها على الله، فهي تهرب من الله إلى الحال تارة
وإلى العمل تارة، وإلى العلم تارة، هذه نفوس السالكين الصادقين، وأما من ليس
من أهل هذا الشأن فنفوسهم تفر من الله إلى الشهوات والراحات، فأشق ما على
النفوس جمعيتها على الله، وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه، وأن يشغلها بما
دونه، فإن حبس النفس على الله شديد، وأشد منه حبسها على أوامره، وحبسها
عن نواهيه، فهي دائما ترضيك بالعلم عن العمل، وبالعمل عن الحال، وبالحال
عن الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر لا يعرفه إلا من شد مئزر سيره إلى الله، وعلم
أن كل ما سواه فهو قاطع عنه.
وقد تضمن كلامه في هذه الدرجة ثلاث درجات - كما أشار إليه -: درجة
الحال، ودرجة العلم، ودرجة التفرقة بين الحال والعلم، وهذه الثلاث درجات [22]
هي المختصة بالمعنى الثاني من معاني الوقت، والله أعلم.
***
فصل
قال: والمعنى الثالث [23] قالوا: الوقت الحق أرادوا به استغراق رسم الوقت
في وجود الحق، وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي لكنه اسم [24] في هذا
المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا وجودا محضا، وهو فوق البرق
والوجد، وهو يفارق [25] مقام الجمع لو دام وبقي، ولا يبلغ وادي الوجود؛ لكنه
يلقي [26] مؤنة المعاملة، ويصفي عين المسامرة، ويشم روائح الوجود.
هذا المعنى الثالث من معاني الوقت أخص مما قبله، وأصعب تصورا
وحصولا، فإن الأول وقت سلوك يتلون، وهذا وقت كشف يتمكن، ولذلك أطلقوا
عليه اسم الحق لغلبة حكمه على قلب صاحبه، فلا يحس برسم الوقت بل يتلاشى
ذكر وقته من قلبه لما قهره من نور الكشف.
فقوله: (قالوا الوقت هو الحق) يعني أن بعضهم أطلق اسم الحق على الوقت،
ثم فسر مرادهم بذلك، وأنهم عنوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحق،
ومعنى هذا أن السالك بهذا المعنى الثالث إذا شهد استغراق وقته في وجود الحق
يتلاشى عنه وقته بالكلية، وتقريب هذا إلى الفهم أنه إذا شهد استغراق وقته
الحاضر في ماهية الزمان فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير
جدا من أجزائه، وانغمر فيه كما تنغمر القطرة في البحر، ثم إن الزمان المحدود
الطرفين يستغرق رسمه في وجود الدهر، وهو ما بين الأزل والأبد، ثم إن الدهر
يستغرق رسمه في دوام الرب جل جلاله، وذلك الدوام هو صفة الرب، فهناك
يضمحل الدهر، والزمان، والوقت ولا يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله
البتة، فاضمحل الزمان، والدهر، والوقت في الدوام الإلهي، كما تضمحل الأنوار
المخلوقة في نوره، كما يضمحل علم الخلق في علمه، وقدرهم في قدرته،
وجمالهم في جماله، وكلامهم في كلامه [27] بحيث لا يبقى للمخلوق نسبة ما إلى
صفات الرب جل جلاله.
والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم (ما في الوجود إلا الله) أو (ما ثم
موجود على الحقيقة إلا الله) أو (هناك يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل)
ونحو ذلك من العبارات، فهذا مرادهم لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود
كما هو في الوجود، وغلب سلطانه على سلطان العلم، وكان العلم [28] مغمورا
بوارده، وفي قوة التمييز ضعف، وقد توارى العلم بالشهود، وحكم الحال، فهناك