فالسالكون ضربان: سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم، وهم إلى التمكن أقرب،
وسالكون على العلم ملتفتون إلى الحال وهم إلى التلون أقرب، هذا حاصل
كلامه.
وهذه الثلاثة هي المفرقة بين أهل العلم، وأهل الحال، حتى كأنهما غيران
وحزبان، وكل فرقة منهما لا تأنس بالأخرى، ولا تعاشرها إلا على إغماض،
ونوع استكراه، وهذا من تقصير الفريقين، حيث ضعف أحدهما عن السير في
العلم، وضعف الآخر عن الحال في العلم، فلم يتمكن كل منهما من الجمع بين
الحال والعلم، فأخذ هؤلاء العلم، وسعته، ونوره، ورجحوه، وأخذ هؤلاء الحال،
وسلطانه، وتمكينه، ورجحوه، وصار الصادق الضعيف من الفريقين يسير
بأحدهما ملتفتا إلى الآخر، فهذا مطيع للحال [16] ، وهذا مطيع للعلم؛ لكن المطيع
للحال متى عصى به العلم كان منقطعا محجوبا، وإن كان له من الحال ما عساه أن
يكون، والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيعا منقوصا مشتغلا
بالوسيلة عن الغاية، وصاحب التمكين يتصرف علمه في حاله، ويحكم عليه،
فينقاد لحكمه، ويتصرف حاله في علمه فلا بد أن يقف معه، بل يدعوه إلى غاية
العلم فيجيبه ويلبي دعوته، فهذه حال الكمل من هذه الأمة.
ومن استقرأ أحوال الصحابة وجدها كذلك، فلما فرق المتأخرون بين الحال
والعلم دخل عليهم النقص، والخلل، والله المستعان {يهب لمن يشاء إناثا ويهب
لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} (الشورى: 49-50) فكذلك يهب لمن يشاء علما، ولمن يشاء حالا، ويجمع
بينهما لمن يشاء، ويخلي من يشاء منهما.
قوله: (فالعلم يشغله في حين) أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال؛ لأن
العلم متنوع التعلقات فهو يفرق، والحال يجمع، فإنه يدعوه إلى الفناء، وهناك
سلطان الحال، قوله: " والحال يحمله في حين " أي يغلب عليه الحال تارة فيصير
محمولا بقوة الحال وسلطانه على السلوك فيشتد [17] سيره بحكم الحال، يعني وإذا
غلبه العلم شغله عن السلوك، وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين (إن العلم
يشغل عن السلوك) ، ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتا إلى العلم،
وأما على ما قررناه من أن العلم يعين على السلوك، ويحمل عليه، ويكون صاحبه
سالكا به، وفيه فلا يشغله العلم عن سلوكه، وإن أضعف سيره على درب الفناء،
فلا ريب أن العلم لا يجامع الفناء، فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى الله، بل ولا
هو لازم من لوازم الطريق، وإن كان عارضا من عوارضها يعرض لغير الكمل -
كما تقدم تقرير ذلك - فبينا أن الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة، الفناء عن
محبة ما سوى الله وإرادته، فيفنى بمحبة الله عن محبة ما سواه، وبإرادته،
ورجائه، والخوف منه، والتوكل عليه، والإنابة إليه عن إرادة ما سواه، وخوفه،
ورجائه، والتوكل عليه، وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال، ولا يشغل عن العلم ولا
يحول بين العبد وبينه، بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه، وهذا
أمر غفل عنه أكثر المتأخرين بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه؛ ولكن لم يخل الله
الأرض من قائم به، داع إليه.
قوله: (فبلاؤه بينهما) أي عذابه وألمه بين داعي الحال، وداعي العلم،
فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم، ووارده يحمله على إجابة داعي الحال،
فيصير كالغريم بين مطالبين، كل منهما يطالبه بحقه وليس بيده إلا ما يقضي
أحدهما، وقد عرفت أن هذا من الضيق، وإلا فمع السعة يوفي كلا منهما حقه.
قوله: (يذيقه شهودا طورا) أي ذلك البلاء الحاصل بين الداعيين يذيقه
شهوده طورا، وهو الطور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم.
قوله: (ويكسوه عبرة طورا) الظاهر أنه عبرة بالباء الموحدة والعين، أي
اعتبارا بأفعاله، واستدلالا عليه بها، فإنه سبحانه دل على نفسه بأفعاله، فالعلم
يكسو صاحبه اعتبارا، واستدلالا على الرب بأفعاله.