الله من الاستعداد الفطري النادر المثال، لا ريب أنه أقدر الناس على تنفيذه على
الوجه الأكمل، ووضع أسسه الكفيلة ببقائه حتى يستطيع من يخلفه فيه أن يتبع
خطواته بغير عناء.
إن الرجل ثالث ثلاثة نوابغ لم يوجد لهم نظير من عدة قرون، وقد شهد
الأستاذ الإمام بكفاءته وجعله موضع رجائه، فعلى المسلمين كافة والمصريين
خاصة أن يستدركوا ما فاتهم من الانتفاع بمواهب سلفيه (جمال الدين) و (محمد
عبده) بأن لا يضيعوا الفرصة السانحة الآن، إنكم إن أضعتموها يخشى أن لا تعود
قبل عدة قرون.
أقول وقولي هو الحق، إنه لو علم المسلمون حق العلم بقدر رجلهم الذي
ضحى أمواله وحياته ونفسه في سبيل مصلحتهم، لفدوه بالأولاد قبل الأموال،
وبالأنفس قبل الأولاد، لا مراء في أن الأمة الإسلامية أشد الأمم تأخرا في مضمار
الحياتين الدينية والمدنية، وهي لذلك أشدهم افتقارا للعمل، فإن كنتم أيها المسلمون
لا تعملون الآن فمتى تعملون، وإن لم يعجبكم مشروع إمامكم الرشيد، فماذا أنتم من
وسائط الحياة والعمل النافع تعدون، وإن كنتم مقتنعين بصلاحية المشروع فمن ذا
الذي يقدر على تنفيذه كما ينبغي من بعده أفلا تذكرون؟
أيها المسلمون إن الله غني عني وعنكم وعن العالمين، ولا يتوقف نصر حق
على مساعدتنا، فالله يختار لنصرة دينه من يشاء، فإن لم نكن من الموفقين،
فيوشك أن يخرج الأمر من أيدينا ويوكل الله به قوما آخرين، والله غيور على دينه
وحافظ له من الزوال، ولا بد أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فظهور الدين محقق
فإن لم يكن على أيدينا فسيكون على أيدي غيرنا {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في
سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} (محمد: 38) ، {إن يشأ
يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} (إبراهيم: 19-20)
فمن ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا يضاعف له القدر؟ ومن يسارع إلى جنة
عرضها السماوات والأرض؟ هذا أوان العمل فاعملوا أيها المسلمون، وهاكم
طريق النجاح فاسلكوه لعلكم تهتدون 0
يا قوم: أنذرتكم ونصحت لكم وأنا منكم، واقع في التقصير مثلكم، وأنا
أدعوكم وأدعو نفسي قبلكم، بالتبرع بما نقدر عليه من مالي ومالكم، لا يستقل مقل
عطاء وإن قل، ولا يستكثر مكثر ما يستطيع أن يبذل، وها أنا ذا أخطو الخطوة
الأولى في هذه الكرة الثانية، فأدفع على قلة ثروتي خمسة عشر جنيها مصريا
أبغيها ذخرا عند من خلقني ولم أكن شيئا، فأقبلوا على تجارة لن تبور، وهلموا إلى
التبرع بالقليل والكثير، وانظروا إلى ما نحن فيه من المحنة، وادرؤوا السيئة
بالحسنة، وأحرزوا بالقيام بتنفيذ المشروع شرفا تحفظه لكم الأجيال المقبلة، فلا
يضيع، ويكون لكم عند الله خير شفيع يوم يقوم الناس وتحشر الجموع 0
هذا وإنصافا لمجلة المنار الإسلامية، وتقديرا لخدمتها في سبيل الغرض
المقصود للجمعية، أدفع اشتراك خمس سنين سلفا، وأتبرع باشتراك سنة لمن يبرز
في إنشاء أحسن مقالة في أحسن خدمة إصلاحية لخدمة الإسلام والمسلمين، فسدد
اللهم أعمالنا، وأنر لنا سبيلنا، آمين 0
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... م. ن
(المنار)
نشكر للكاتب غيرته على دينه وملته، وشعبه المصري وسائر أمته، كما
نشكر له حسن ظنه فينا، ونسأل الله ألا يجعل إطراءه فتنة لنا، ولا مدعاة إلى
ترجيح ظنه فينا على ما نعلمه من ضعفنا وعجزنا، ونرجو أن يعذرنا إذا نحن لم
نقبل منه الاشتراك عن خمس سنين سلفا، فحسبه من الوفاء للمنار ما جرى عليه من
دفع اشتراك كل سنة سلفا، فهو من السابقين بالخير اشتراكا وأداء 0
هذا - وإن الكاتب قد كتب مقالا قبل هذا في معناه أكثر ما فيه المبالغة
والإغراق في المدح والثناء على صاحب المنار، فكان استحياؤنا من نشره، بل من