بالعدد الكافي - قضت الضرورة بإعداد هؤلاء الهداة إعدادا وإنشائهم إنشاء، وهذا
ما فكر فهي أستاذنا زاده الله توفيقا فاقترح تأسيس جمعية (جماعة الدعوة والإرشاد)
ومدرستها الجليلة، وبذلك وصف الدواء لداء الأمة الدفين الذي كاد يودي بحياتها.
إن مهمة تعليم فئة من المسلمين ذلك التعليم الخاص، وتربيته تلك التربية
الدينية المحضة بين زوابع الفساد التي اكتسحت البلاد لمن الأعمال التي تتطلب
كفاءة عظيمة، واستعدادا خاصا - ولكن الأستاذ الذي لا ينثني له عزم أخذ على
عاتقه القيام بإنفاذ المشروع، وحق للمسلمين أن يفرحوا ويتهللوا وقد جاءهم الطبيب
الماهر، ولكن ماذا حصل؟
نشر المقترح دعوته بين المسلمين في أنحاء المعمورة كافة، فلبتها طائفة كل
على قدر استعداده وقبوله للمشروع، فكان المال الذي جمع كان قليلا جدا لا يفي
بجزء مما يلزم لهذا العمل العظيم، وانقبضت أيدي سائر المسلمين.
وأما الأستاذ فقد بسط يده للعمل على قلة وسائله؛ فولد المشروع، وقرت
برؤيته عيون المخلصين؛ ولكن ذلك المولود ككل مولود حي يحتاج إلى عناية
وغذاء كي ينمو ويشتد، غير أن ضن المسلمين بالمال كان سببا في سريان الضعف
إليه حتى أشرف على الاضمحلال والعياذ بالله تعالى.
ولا يفوتني في هذا المقام ملاحظة التفاوت العظيم في إقبال الشعوب الإسلامية
على المشروع، فمع أن المكان الذي اختير ليكون مقرا للجمعية ومدرستها هو مصر
فإن قومي المصريين لقلة ما ساعدوا كانوا كأنهم غير مقصودين بالدعوة، حتى أنه
ليصح أن يقال مع الخجل العظيم إن الجمعية أسست والمدرسة أنشئت من أموال
غيرهم.
فأنتم يا مسلمي مصر بوجه خاص أعنيكم بالمقال، إنه غير خليق بكم أن
تقفوا ساكنين أمام أعظم مشروع إسلامي، وهو قد أنشئ بينكم واحتمى بجواركم
ولكم ثماره وشرفه قبل غيركم، إن اضمحلال هذا العمل - لا قدر الله - يسيء
سمعة المصريين كثيرا، كما أن نجاحه يشرفهم ويرفع قدرهم، ففي هذه الأزمة
الكبرى التي يجتازها العالم أجمع، وتدوس فيها الأمم الكبيرة بأقدامها ظهور الأمم
الصغيرة أو الضعيفة، ينبغي للشعب المصري الكريم الذي آتاه الله من الاستطاعة
على خدمة دينه ما لم يؤت غيره أن يقوم بالعمل الذي ينتظره منه العالم الإسلامي
الذي يعده في مقام الإمام المرشد، وهو تعضيد هذا المشروع الذي إذا قوي وعاش
سيكون - بإذن الله تعالى - ينبوع حياة للإسلام والمسلمين وأساسا لسعادتهم
المستقبلة.
إن المصريين يستطيعون أن يحرزوا هذا الفخر الخالد بالتبرع بشيء من
مالهم لا يضرهم إنفاقه، ولا يغنيهم إمساكه، إن المشروع ضروري حيوي ونجاحه
يدل على حياة كامنة في جسم الأمة الإسلامية طالما أنكرها عليها محتقروها
وحاسدوها، كما أن موته - لا قدر الله - يشمت فينا أعداءنا، ويجعلنا عرضة لهزأ
العالم أجمع وسخريته، تقوم الأمم الحية كل يوم بالأعمال العظام والمشروعات
الكبرى لأغراض ثانوية أو كمالية، ونجد الأموال تتدفق على القائمين بها من
جيوب أهل الغيرة من أهلها، فلا يمضي وقت قصير حتى توضع لها أسس وطيدة
ودعائم ثابتة، ويجني القريب والبعيد من أفراد الأمة ثمارها، وهذا مشروع واحد
أساسي لحفظ حياتنا الدينية والمدنية، وسلاح لدرء الخطر الذي يتهدد كيان الملة
الإسلامية، ونور لمحو الظلمة التي خيمت على العقول والقلوب، ورحمة لمنع ما
حل بنا من الشقاء والخطوب، فهل يموت رضيعا وفي جيوبنا درهم؟ وهل
نستطيع بعده أن ندعي المروءة والشمم؟ {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده
أجر عظيم} (التغابن: 15) .
أي قوم، إن المشروع كبير ولا يقوم به إلا أعظم الرجال استعدادا، وأبعدهم
همة، ومثل هؤلاء قليل ظهورهم في الأمة، وإن الأستاذ صاحب الاقتراح بما هو
عليه من التقوى والصلاح، وما امتاز به من العلوم الشرعية، وما كسبه من
المعلومات الثمينة والاختبار العظيم بسياحاته العديدة في بلاد المسلمين، وما وهبه