تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قراءته أقوى وأشد من استحيائنا من رده، مع يقيننا بإخلاص الكاتب واعتقاده أنه

كتب الحقيقة بلا غلو ولا مبالغة، وقد قلنا له إننا لا نظن أن نشره يأتي بالفائدة التي

ترمي إليها، وان كنت أحسن منا ظنا، ولا بد أن تكتب في هذه الدعوى شيئا

فاجعل الكلام في موضوع العمل دون مدح العامل، فجاءنا بهذا المقال، فلم نر بدا

من نشره؛ لأن ذلك من حق كاتبه علينا إذ لا نعرف أحدا من الناس أشد غيرة،

وإخلاصا منه لربه ودينه وأمته، وأي دليل أدل على الغيرة والإخلاص من بذل

المال في سبيل الله؟ وقد علمنا علم اليقين أننا لو قبلنا أن نأخذ منه جميع ما بيده

لإنفاقه في مشروع الدعوة والإرشاد لبذله مرتاحا، بل طالما عرض علينا بذل ماله

ووقته فيما نراه من خدمة الدين وإقامة السنة؛ ولكننا نعلم أن عياله أحوج إلى ذلك

من مشروع لا يتوقف نجاحه على هذا المال القليل، ولا يسقط بفقده، وقد كان ما

بذله كتابة بهذه المقالة أكثر مما أثبتناه فيها بتصحيحه، فسكت بعد مناقشة ومراجعة

وإننا نستحسن أن نعيد بعض ما سبق لنا من الكلام في أسباب نشر بعض الرسائل

والأسئلة المشتملة على الثناء وألقاب المدح لنا بنصها، على خجلنا مما في بعضها

من المبالغة وانتقاد كثير من الناس لنشر مثله، وأهم تلك الأسباب الأمانة وبيان

آراء الكاتبين في الإصلاح الإسلامي والقائمين به لأهل عصرهم ولمن بعدهم وموافقة

سلفنا الذين كانوا ينشرون مثل ذلك بنصه كما تراه في كتب الفتاوى، وكان كثير

من هذه الفتاوى ينسخ في عصور العلماء الذين كتبوها وينشر في الأقطار.

إن بيان ما ذكر من الأسباب لنشر ما اشتمل على المدح باب من أعظم أبواب

التاريخ، وأعمها فائدة، وليس هو من قبيل تدوين المدائح الشعرية في شيء، وإنا

نكره المدائح الشعرية المحضة، ويقابل هذا الباب في تاريخ الإصلاح باب الانتقاد

وقد التزمنا نشر ما يجيئنا من الانتقاد على أقوالنا وأعمالنا، حتى أننا ندعو الناس

إلى ذلك في منار كل عام، ولم ندع أحدا قط إلى المدح والتحبيذ، وإن كان من

قبيل التعاون على البر والتقوى الذي يقصده صاحب هذه الرسالة.

كتب الكاتب هذه الرسالة معبرا بها عن بعض ما في نفسه من وجدان واعتقاد،

راجيا أن يشعر بشعوره، ويعتقد اعتقاده كثير من المسلمين؛ فينهضوا بمشروع

الدعوة والإرشاد، ويجود كل له بما يستطيع على قدر ما آتاه الله من السعة والثروة،

ولولا ذلك لما كتب حرفا، وقد نشرنا له ما كتب احتراما لشعوره، واعتقاده لما

فيه من التعاون على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف الذي تصدينا له، ولكننا لا

نظن أن دعوته تجاب، ولا أن أمنيته تصدق، وإن كنا من القائلين بتأثير الكلام في

الجملة، وإنما يكون التأثير بقدر استعداد من يقرأ الكلام ويسمعه، ولا يزال استعداد

الأمة الإسلامية للقيام بالأعمال الاجتماعية ضعيفا جدا، وهو في البلاد التي لها

حكام من أهلها، أضعف منه في غيرها، وإن كان هؤلاء الحكام صوريين لا

استقلال لهم في سياسة ولا إدارة، فأرقى مسلمي الهند ووثنييها هم أهل الولايات

التي يتولى حكمها الإنكليز بأنفسهم، وأبعدهم عن الترقي والإصلاح من لهم حكام

من أنفسهم، وسنبين رأينا في أغنياء بلادنا وأمتنا وأصناف الناس في الجزء الآتي

إن شاء الله تعالى.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٣٠٧