بالإيمان تبلغ درجات الكمال، وإنما الخلافة في الأرض بالصلاح والإصلاح،
والمؤمن المصلح يرجح المصلح الكافر بالإيمان، {ولقد كتبنا في الزبور من بعد
الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء: 105) , {فأوحى إليهم
ربهم لنهلكن الظالمين} (إبراهيم: 13) , ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ (إبراهيم: 14) ,] وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم [, {إن الأرض لله يورثها من يشاء من
عباده والعاقبة للمتقين} (الأعراف: 128) .
نعم طالما حذركم المنار وأنذركم، بل طالما ذكركم بنذر ربكم، وبسننه في
الذين معكم، والذين خلوا من قبلكم، فتماريتم بالنذر، وتعللتم بالقضاء والقدر،
وإنما يعتذر بالقدر من يبرئ نفسه، ويتهم ربه، على أنكم تدعون ربكم أن يبدل
فيكم سنته، ويبطل لأجلكم حكمته، وينصركم بالاستبداد الأنف، وقطع أسباب
القدر، وقد تلوتم ما نزل في حنين وأحد، إذ نزل بخير سلفكم ما نزل، جزاء
العجب والخلاف والفشل، وفيهم خاتم الأنبياء والرسل، أإسلامكم خير من إسلامهم
أم لكم براءة في الزبر، {كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر *
إنها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} (المدثر: 32-37) .
نعم إن لله في خلقه آيات، وإن لربكم في أيام دهركم نفحات، وإن له تعالى
رحمة خاصة لدنية، تتخلل سننه الاجتماعية، (وإن الله تعالى ليؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر) [2] (وإن الله تعالى ليؤيد الإسلام برجال ما هم من أهله) [3] ولكن
الله تعالى لا يؤيد بخوارق الآيات من أعرض عن السنن وآيات القرآن، ولا يمد
بالنفحات والرحمة الخاصة من استحق الحرمان من معظم الرحمة العامة، ألا وإن
تأييد الله الإسلام بغير أهله أكبر حجة على جميع من يعدون من أهله، ولا سيما إذا
أصروا على خذل أنفسهم بخذله، أفلا يعلم من لا خير له في نفسه من نفسه أن لا خير
يرجى له من غيره؟ {أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا
تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: 36-39) .
يجب علينا معاشر المسلمين أن ننتصف من أنفسنا، قبل أن ننتصف أو
نستنصف من الأجانب عنا - وأن نستجيب لله وللرسول إذا دعانا لما يحيينا، قبل
أن ندعوه أن يستجيب لنا ويؤتينا ما وعدنا - وأن نشكر نعم ربنا التي أعطى من
غير استحقاق لها، قبل أن نسأله حفظها أو المزيد منها بدون قيام بحقها - وأن نعلم
أن الله تعالى لا يستجب الدعاء بلسان المقال، إلا إذا كان دعاء بلسان الاستعداد
والحال، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا
فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} (الرعد: 11) .
إنني أذكر في فاتحة السنة الثامنة عشرة للمنار، بما طالما فصلت فيه القول
في السنين الخوالي: إننا نحن مسلمي هذا العصر، لا نستحق على الله تعالى نصيبا
من الملك، ولا خلافة في شيء من الأرض، لا بحسب سننه في خلقه، ولا
بمقتضى وعده في كتابه، فإذا أعطى شيئا أو أبقى، فتلك عنايته تعالى وفضله لا
مما جعله وعدا عليه حقا، وإن الله تعالى ليبلو عباده بالحسنات، كما يبلوهم
بالسيئات، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فيكون أحسن جزاء وخيرا أملا، {ولقد
صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} (الكهف: 54) , {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم
العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} (الكهف: 58) .
هذا وإن آية المؤمن أن يحمد الله في السراء والضراء، ولا ييأس من روح
الله مهما اشتدت الأهوال والأرزاء، ويعلم أن ما أصابه من حسنة فمن فضل ربه،
وما أصابه من سيئة فمن نفسه وسوء كسبه، فيحدث عند الحسنة شكرا، ويحدث
عند السيئة توبة وذكرى {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير