كتب الأستاذ في مذكرته بعد الإشارة إلى هذه المذاكرة ما نصه:
(ماذا حركت مني كلمة الفيلسوف (الحق للقوة) إلخ؟ جاءت منه مصحوبة
بشعاع الدليل، فأثارت حرارة، وهاجت فكرا، لو جاءت من ثرثار غيره كانت
تأتي مقتولة ببرد التقليد، فكانت (تكون) جيفة تعافها النفس فلا تحرك إلا
اشمئزازا وغثيانا.
هؤلاء الفلاسفة والعلماء الذين اكتشفوا كثيرا مما يفيد في راحة الإنسان،
وتوفير راحته، وتغزير نعمته (أعجزهم) أن يكتشفوا طبيعة الإنسان ويعرضوها
على الإنسان حتى يعرفها فيعود إليها هؤلاء الذين صقلوا المعادن حتى كان من
الحديد اللامع المضيء، أفلا يتيسر لهم أن يجلوا ذلك الصدأ الذي غشي الفطرة
الإنسانية، ويصقلوا تلك النفوس حتى يعود لها لمعانها الروحاني؟ حار الفيلسوف
في حال أوربا، وأظهر عجزه مع قوة العلم فأين الدواء؟ الرجوع إلى الدين إلخ،
الدين هو الذي كشف الطبيعة الإنسانية، وعرفها إلى أربابها في كل زمان؛ لكنهم
يعودون فيجهلونها) . اه.
الظاهر أن الأستاذ كان يريد أن يتوسع في هذا الموضوع كما يشير إلى ذلك
قوله في مذكرته (إلخ) ولعله كان ينتظر فرصة مناسبة للمقام سواء كانت عملية
كهذه الحرب، أو قولية كمقال ينشر في الصحف في تفضيل المدنية المادية على
المدنية الدينية؛ فيكتب مقالا يبين فيه الحق ويزيل فيه الالتباس مؤيدا بالحكمة
الصحيحة وشواهد التاريخ، وقد بينا شيئا من المقابلة بينها وبين المدنية الإسلامية
في المقالة التي أشرنا إليها آنفا.
إن أصحاب النظر والاستقلال من هؤلاء العشاق للمدنية المادية - وقليل ما
هم - كانوا يغرقون في حسن الظن بالمدنية المادية وبأهلها إغراقا بعثهم على الجزم
بأن فكرة الحرب قد قضي عليها في أوربة قضاء مبرما، فلن توقد لها هنالك نار،
وكانوا يقولون: إن وجد من الملوك والرؤساء من يسعى لها سعيها، ويحاول أن
يقدح لها زندها؛ فإن شعبه هو الذي يضرب على يده، ويفت في عضده، وقد كنا
نخالف هؤلاء في الرأي، ومنهم من هو أعلم منا بحال القوم؛ ولكن رأيهم في ذلك
خالف رأي من هو أعلم منا ومنهم بحال أوربة وفلسفتها، ألا وهو شيخ فلاسفتها
الأكبر، هربرت سبنسر.
كان أولئك المحسنون للظن، من ذوي الاستقلال في الرأي، لا ينكرون
كالمقلدين سيئات هذه المدنية المادية؛ ولكنهم يقولون إنها إذا قيست بسيئات المدنية
الدينية كانت أقل منها وأخف ضررا، ونحن نخالفهم في هذا أيضا، ونقول ما كل
سيئات المدنية القديمة صادرة عن الدين والفلسفة الروحية، وما كل حسنات المدنية
الحديثة صادرة عن الإلحاد والفلسفة المادية، ولا تضاد بين العلوم والأعمال المادية،
وبين العقائد والأعمال الدينية، وإنما نعني بالمدنية المادية المذمومة ما كان مبنيا
على جحود حياة بعد هذه الحياة الدنيا، وحصر ثمرات أعمال البشر في التمتع
باللذات الدنيوية من طعام وشراب وفراش وزينة ورياسة، وإنما نعني بالمدنية
الدينية ما كان مبنيا على أن للإنسان حياتين يجب عليه أن يأخذ حظه من أولاهما
الدنيا بالمعروف، ويستعد فيها للأخرى بالعمل الصالح، على حد قوله تعالى:
{وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله
إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص: 77) فإن
أصول الدين التي دعا إليها الرسل هي الثلاثة المنصوصة في قوله تعالى: {إن
الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل
صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة: 62) .
من البديهي أن من لم يكن له حظ من وجوده، إلا التمتع بلذات الدنيا وزينتها
لا يكون له هم من حياته إلا تحصيل المال والجاه الموصل إليها بحق أو بغير حق،
وأن الحق يكون عنده تابعا للقوة دون العكس، فإن وجد في أهل هذه المدنية المادية