تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمة منهم شعور الدين، وكثر فيهم من يصلون ويدعون الله أن ينصرهم على

أعدائهم، كما هو شأن البشر في حال الكروب والخطوب {وإذا غشيهم موج

كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد

بآياتنا إلا كل ختار كفور} (لقمان: 32) * {وإذا مس الإنسان الضر دعانا

لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك

زين للمسرفين ما كانوا يعملون} (يونس: 12) .

فهل يعتبر بهذه الحرب أولئك الخادعون المخدوعون الذين كانوا يعيبون

الأديان، بزعمهم أنها مثار البغي والعدوان، ومسعر نيران الحرب بين الإنسان

وأخيه الإنسان، وأنه لولاها لآخت المدنية بين الناس، وجمعت بين ما تفرق من

الأجناس؟ كلا إن الحياة المدنية هي التي تولد في النفوس المطامع التي لا حد لها،

وتقرن التنافس بالتحاسد، وتسوق الحسد إلى البغي والتقاتل، وإن الدين ينهى عن

ذلك كله، ولكن الناس كثيرا ما يخطئون في فهمه، وكثيرا ما يتعمدون تحريف

كلمه عن مواضعه، فهم يسيئون استعماله كما يسيئون استعمال الحواس والعقل

وغير ذلك من نعم الله تعالى، فمن مقاصد الدين إزالة الخلاف من بين الناس

فاتخذوه سببا من أسباب الخلاف {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما

جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران: 19) فالحرب سنة من سنن الاجتماع، قد

يخفف الدين شرورها بقدر ارتقائه واستمساك أهله به كما بيناه في مقالة نشرناها في

الجزء الثالث عنوانها (حرب المدنية الأوربية، والمقارنة بينها وبين المدنية

الإسلامية والفتوحات العربية) .

وليس للمدنية المادية مثل هذا التأثير في نفسها، فإن وجد في أمم المدنية من

يقبح الحرب، أو يقبح ارتكاب القسوة فيها غيرة على العمران، ومحافظة على

حقوق البشر غير مهتد في ذلك بتربية الدين، ولا متأثر بفضائله، فهو لا يكون إلا

كالتاجر الخوان لا يحجم عن صفقة إلا خوفا من الخسارة، فمتى غلب على ظنه أنه

فيها لا يبالي ما يفعل، اللهم إلا الأفراد من الحكماء الذين رجح العقل والفضيلة في

نفوسهم على الأهواء، كالفيلسوف هربرت سبنسر الإنكليزي الذي أهدى إليه عاهل

الألمان وساما علميا فلم يقبله منه؛ لأنه قيصر حرب، وهو عدو للحرب، وإياك

أن تظن في هذا الحكيم الكبير أنه كان يبغض الألمان بغضا سياسيا لمناظرتهم لقومه،

فليس عليهم وعلى الناس بما ادعاه من سبب رفض الوسام، فكان ذلك من الرياء

الفرسي الذي يغمز به الإنكليز منتقدوهم كما صرحوا به في هذه الأيام [1] ، فإن هذا

الحكيم الكبير قد نصح لليابانيين بأن لا يولوا قومه الإنكليز شيئا من شؤون بلادهم؛

لأن ذلك يكون ذريعة لعبثهم باستقلالهم، فأي استقلال في الرأي وإخلاص في

النصح أدل على الحكمة والفضيلة من هذا؟

على أن هذا الفيلسوف لم يكن ماديا بل كان يشكو من انتصارالمطامع المادية

في البلاد الأوربية - حتى في بلاده - على الفضيلة كما حدثنا عنه شيخنا الأستاذ

الإمام، وإننا نذكر في هذا المقام بعض ما دار بين حكيمي الشرق والغرب في

زيارة الأول للثاني بداره في 10 أغسطس سنة 1903: بدأ المزور الزائر بسؤاله

عما رأى من تغير الأفكار في إنكلترة، وعما دخل الشرق من الأفكار الأوربية،

وشكا إليه من سريان الأفكار المادية إلى قومه، وما يخشى من إضعافها للفضيلة،

ثم دار بينهما ما يأتي.

قال الفيلسوف: الحق عند أوربة للقوة، قال الأستاذ الإمام: هكذا يعتقد

الشرقيون، ومظاهر القوة هي التي حملت الشرقيين على تقليد الأوربيين فيما لا

يفيد من غير تدقيق في معرفة منابعها، قال الفيلسوف: محي الحق بالمرة من

عقول أهل أوربة، وسترى الأمم يختبط بعضها ببعض ليتبين من هو الأقوى فيكون

سلطان العالم، قال الأستاذ: عندي أمل أن همم الفلاسفة واجتهادهم في تقرير

مبادئ الحق يحول دون ذلك، فقال الفيلسوف كلاما يدل على يأسه من ذلك، وقد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٨٠