هي حرب الأمم لا الدول؛ فإن العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له، وقد جرت عادة
الناس أن يطلقوا على جملة الأمة ما فشا فيها وثبت لأكثرها من الأعمال، أو
اتصفت به من الصفات والأخلاق، ولن تستطيع دولة من دول أوربة الاستمرار
على الحرب إذا كان الرأي الغالب في الأمة لا يؤيدها، إلا أن تكون الدولة الروسية
التي ليس لأمتها رأي غالب.
ومن أعجب ما نقل إلينا عن الحكومة الإنكليزية - ويحسن عده في هذا المقام
من فضائلها التي تجري فيها على عرق - أنها حكمت أخيرا بوجوب التجنيد
الإجباري على العزاب، إلا من يرى ذلك مخالفا لوجدانه واعتقاده، وقد سبق لسلفها
مثل ذلك في قانون وجوب التلقيح للوقاية من الجدري، وهذه الفضيلة مما امتاز به
الإنكليز على غيرهم، وهم موافقون فيه لقاعدة من قواعد الإسلام تركها حكام
المسلمين منذ قرون.
إن ما أجمع عليه الناس من تسمية هذه الحرب حرب الأمم قد استثنوا منه
الأمة العثمانية بالنقل، كما استثنينا منه بعض الأفراد من كل أمة بحكم العقل، فقد
نقلت إلينا بلاغات دول الحلفاء الرسمية، والبرقيات العامة والجرائد الغربية
والشرقية، أن الشعب العثماني كاره لهذه الحرب، بل قالوا مرارا إن السلطان
وولي عهده، وسائر أهل بيته، وأكثر رجال دولته كانوا معارضين فيها، وما زالوا
كارهين لها، بل قالوا أيضا إن بعض زعماء جمعية الاتحاد والترقي كانوا وما
زالوا كذلك، وإن السبب المباشر لإيذان دول الأحلاف الدولة بالحرب - وهو
اعتداء البارجتين الألمانيتين (غوبن وبرسلو) على ثغور روسية - لم يكن بإذن
من السلطان، ولا الصدر الأعظم، بل لم يعلما به إلا بعد وقوعه، وقد وعدا سفراء
دول الأحلاف بعدم العود إلى مثله، وإن أنور باشا ناظر الحربية هو الذي اتفق مع
ألمانية على ضم الدولة إليها في هذه الحرب، فغلب نفوذه على نفوذ غيره من
زعماء جمعيته بمساعدة الألمان، الذين كان قد وكل إليهم أمر إصلاح الجيش
العثماني بعد حرب البلقان. ولا تزال الجرائد تتخولنا بأخبار كراهة العثمانيين لهذه
الحرب في عاصمة الدولة وولاياتها، وما يأتمرون به لإسقاط الحكومة الاتحادية
وإنشاء حكومة جديدة تصالح الأحلاف وتتفق معهم، وبسعي صباح الدين أفندي -
ابن أخت السلطان - إلى ذلك واتفاق حزبه أخيرا مع حزب المشير شريف باشا
وبعض رجال حزب الحرية والائتلاف على ذلك.
أنا لم أصدق كل ما نشرته الجرائد في هذا الموضوع، وإن كان بعضه رسميا،
ولا أكذبه كله، وإن كان سنده ضعيفا واهيا، وأعتقد أن أهل الحل والعقد من
زعماء جمعية الاتحاد والترقي كانوا وما زالوا متفقين مع الألمان، وأن السواد
الأعظم من العثمانيين كاره لهذه الحرب في كل مكان، فهي حرب الدولة التي يتولى
إدارتها الاتحاديون، لا حرب الأمة العثمانية وإن أقرها المبعوثون، فإن المبعوثين
في هذا العهد لا يمثلون الشعوب العثمانية، ولا يعبرون عن رأيها، بل أكثرهم
ألسنة لجمعية الاتحاد والترقي، ومظهر لإرادتها.
إذا تمهد هذا فاعلم أيها القارئ أنني لم أقصد به المدح أو الذم للأمم المتفقة
على الحرب أو المختلفة فيها، ولا التخطئة أو التصويب لموقدي نارها، وإنما أريد
أن أثبت أنها حرب المدنية الأوربية الحديثة، لا حرب دينية ولا مذهبية، وهذه
المدنية مادية لا روحية، دنيوية لا دينية، وغاية أصحابها ومقصدهم منها هو
التمتع بالشهوات البدنية، والعلو والعظمة في الأرض، والتكاثر في الأموال
وضروب الزينة، فهي لا تتفق مع شرعة المسيح (عليه السلام) في ورد ولا
صدر، ولا تسير في منهاجه في مبدأ ولا غاية، ولو كان روح المسيحية الحق له
سلطان غالب في أوربة لما وقعت هذه الحرب البتة، كلا إن روح المسيحية مغلوب
على أمره لسلطان المدنية المادية، فموقدو نار الحرب إما من خلص الماديين، وإما
من متبعي أهوائهم في فهم الدين، ولكن أهوال الحرب قد أيقظت في جمهور كل