في بداية المعرفة، والثاني في نهايتها التي يصل إليها العبد، وقال آخر: من
عرف الله تعالى صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه
خوف المخلوقين، وأنس بالله، وقال غيره: من عرف الله قرت عينه بالله، وقرت
به كل عين، ومن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا حسرات، ومن عرف الله لم
يبق له رغبة في سواه، ومن ادعى معرفة الله وهو راغب في غيره كذبت رغبته
معرفته، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وخافه، ورجاه، وتوكل عليه
وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجله، وعظمه على
قدر معرفته، وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها رأي فيها الغيب الذي
دعي إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها الله سبحانه، والدار
الآخرة، والجنة، والنار، والملائكة، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
كما قيل:
إذا سكن الغدير على صفاء ... وجنب أن يحركه النسيم
بدت فيه السماء بلا امتراء ... كذاك الشمس تبدو والنجوم
كذاك قلوب أرباب التجلي ... يرى في صفوها الله العظيم
وهذه رؤية المثل [3] الأعلى كما تقدم، ومن علامات المعرفة أن يبدو لك
الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحل العلائق، وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي
الرب تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه، كما يجلس الذي شد أحماله
وأزمع السفر على التأهب له، ويقوم على ذلك، ويضطجع عليه، كما ينزل
المسافر في المنزل فهو قائم وجالس ومضطجع على التأهب، وقيل للجنيد: إن
أقواما يدعون المعرفة يقولون إنهم يصلون بترك الحركات من باب البر والتقوى،
فقال الجنيد: هذا قول أقوام تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيم، والذي
يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن
الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن
يحال بيني وبينها.
ومن علامات العارف أنه لا يطالب، ولا يخاصم، ولا يعاقب، ولا يرى له
على أحد فضلا، ولا يرى له على أحد حقا، ومن علاماته أن لا يأسف على فائت
ولا يفرح بآت؛ لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال؛ لأنها في الحقيقة
كالظلال والخيال، وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفا، حتى يكون كالأرض
يطؤها البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شيء، وكالمطر يسقي ما يحب وما لا
يحب، وقال يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين:
بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه، وهذا من أحسن الكلام؛ فإنه يدل على معرفته
بنفسه، وعيوبه، وآفاته، وعلى معرفته بربه وكماله وجلاله، فهو شديد الإزراء
على نفسه، لهج بالثناء على ربه، وقال أبو زيد: إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم
والوقوف مع ما له، يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله سبحانه تعالى؛
فتغنيهم حقوقه عن حظوظهم.
وقال آخر: لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن
الله طرفة عين، وهذا يحتاج إلى شرح، فإن ما هو دون ذلك يشغل القلب لكن
يكون اشتغاله بغير الله لله، فذلك اشتغال به سبحانه؛ لأنه إذا اشتغل بغيره لأجله لم
يشتغل عنه، قال ابن عطاء: المعرفة على ثلاثة أركان: الهيبة والحياء والأنس،
وقيل لذي النون: بم عرفت الله ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي لما
عرفت ربي، وقيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال بأنه فوق سمواته
على عرشه بائن من خلقه، فأتى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصح لأحد معرفة
ولا إقرار بالله سبحانه إلا به، وهو المباينة، والعلو على العرش.
ومن علامات العارف أن يعتزل الخلق بينه وبين الله حتى كأنهم أموات لا
يملكون له ضرا، ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا، ويعتزل نفسه بينه
وبين الخلق حتى يكون بينهم بلا نفس، وهذا معنى قول من قال: العارف يقطع