فهو من المقتصدين، ولن ينال رتبة الاقتصاد، من لم يلازم في طلب المعيشة منهج
السداد، ولم ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة، ما لم يتأدب في
طلبها بآداب الشريعة، وقد ورد في فضل الكسب والحث عليه آيات وأخبار، قال
الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (البقرة: 198) ،
وقال تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ (الجمعة: 10) ،
وقال صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين
والشهداء) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من كان يسعى على نفسه ليكفها عن
المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، ومن كان يسعى على أبوين ضعيفين،
أو ذرية ضعاف ليغنيهم، ويكفيهم فهو في سبيل الله، ومن كان يسعى تفاخرا
وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان) ، وقال عمر رضي الله عنه: لا يقعد أحدكم عن
طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة،
ويجب على التاجر أن ينصح في المعاملة، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يحل
له أن يثني على السلعة بما ليس فيها، ولا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئا،
ولا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا، ومن خالف ذلك كان ظالما غاشا، والغش حرام،
قال صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) ، وقال تعالى: {ويل
للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم
يخسرون} (المطففين: 1-3) ، وقال تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا
بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} (الإسراء: 35) وعلى التاجر
الرفق في التعامل والإحسان فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ سهل
البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء) وقال صلى الله عليه وسلم:
(من أنظر معسرا، أو ترك له أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)
وقال تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ (الأعراف: 56) .
***
خطبة له
في فضل الأخوة والصحبة والألفة
الحمد لله الذي غمر صفوة عباده بلطائف التخصيص طولا وامتنانا، وألف
بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا، ونزع الغل من صدورهم فظلوا في الدنيا
أصدقاء وأخدانا، وفي الآخرة رفقاء وخلانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المصطفى، صلى الله عليه،
وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه واقتدوا به قولا وفعلا وعدلا وإحسانا.
أما بعد، فيا عباد الله اتقوا الله، واعلموا أن التحاب في الله تعالى، والأخوة
في دينه من أفضل القربات، وألطف ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات،
وقد ورد في فضل الأخوة آيات كريمات، وأخبار عاليات، قال الله تعالى: {إنما
المؤمنون إخوة} (الحجرات: 10) ، وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله
جميعا ولا تفرقوا} (آل عمران: 103) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن
ألف مألوف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف) ، وعنه صلى الله عليه وسلم:
(من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه) ، وعنه
صلى الله عليه وسلم: (ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه، ورغبة في لقائه،
إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطاب ممشاك، وطابت لك الجنة) ، واعلم أن لأخيك
عليك في أخوته وصحبته حقوقا يجب الوفاء بها، فمنها حق في المال، بأن تقوم
بحاجته من فضل مالك، أو تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه
رتبة الصديقين، وحق في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات مع البشاشة وإظهار
الفرح، وحق على اللسان في السكوت عن عيوبه، وفي ترك مماراته، وفي
النطق بالمحاب توددا إليه، وتفقدا لأحواله، وحق في العفو عن الزلات والهفوات،
وحق في الدعاء له في حياته ومماته كما يدعو لنفسه، وحق في الوفاء والإخلاص،
وذلك بالثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه،