وإن سمى نفسه مؤمنا؛ لأن المؤمن يدور دائما بين خوف ورجاء، فخوفه عذاب ربه
يزجره عن المنكرات، ورجاؤه ثوابه يدعوه إلى المسارعة في الخيرات، فمن لم يك
كذلك، فاعتقد كذبه في دعوى الإيمان، وحسبك شهادة الله لمن يقيم الصلاة ويعطي
الزكاة بعد ما تقدم بقوله: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾ (الأنفال: 4) بالحصر
المؤكد بالحق، فهل بعد هذه أدلة، تشفي من الغلة، أو ينتظر برهان، أرقى من
القرآن؟
ولنختم الموضوع بآيات أخرى ودلائل، ولا تدع بعدها قولا لقائل، فنتلو
قول الله الكريم: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ (التوبة: 1) الآيات، ففيها يقول الله للمسلمين {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا
وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} (التوبة: 5) ،
وفيها يقول: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ (التوبة: 7) - إلى أن قال -:
{لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون * فإن تابوا وأقاموا الصلاة
وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} (التوبة: 10-11) .
أمرهم بألا يعتدوا بتوبتهم من الشرك والاعتداء، إلا إذا اتبعوا التوحيد بإقامة
هذين الركنين للدين؛ لأنهم بهما يصيرون مسلمين متآخين، وعلى هذا سار
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -، وقتال الخليفة
أبي بكر بإجماع الصحابة لمانعي الزكاة، وعده إياهم خارجين بتركها مشهور، وبه
علم أن الإسلام أركانه متضامنة، لا يقام إلا بإقامتها جميعها، وينهدم بهدم أي ركن
منها، وقد عزز ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا بالحديث الذي خرجه
الإمام أحمد [3] (أربع فرضهن الله في الإسلام فمن جاء بثلاثة لم تغنين عنه شيئا
حتى يأتي بهن جميعا: الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت) ، وقد علمت
مما تقدم أن من يقيم الصلاة بالخشوع، ويؤتي الزكاة بالإخلاص، لا يسعه أن يترك
غيرهما من الفروض، ولا يمتنع عن تقوى الله ما استطاع، ولذلك اختصرنا
عليهما إذ يوشك أن تضيع كل فضيلة بضياعهما، وعدم المبالاة بهما.
فاتقوا الله يا معشر المسلمين، واعملوا أنكم لستم بمأجورين، حتى تحذوا
حذو سلفكم الصالحين، فتكونوا بالصلاة والزكاة آمرين مؤتمرين، وعلى يد
التاركين لهما ضاربين، ( {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في
الدين} (التوبة: 11) تتعاونون على نشره، وتتكاتفون في إحياء شعائره،
فتعلون كلمته، وتجنون ثمرته.
هذه نصيحتي أقدمها إليكم، عسى أن تكون وسيلة لديكم، فتطلبوا الحق من
القرآن، ولا تستبدلوا التقليد بالبرهان.
هداني الله وإياكم
... ... ... ... ... ... ... ... محمد علي أبو زيد
(المنار)
عنوان هذه الرسالة، والكثير من عباراتها مخالف في ظاهره لمذهب أهل
السنة في عدم تكفير المسلم بترك فريضة أو فعل معصية، وموافق لمذهب الخوارج
في تكفير مرتكب الكبيرة، كترك أحد أركان الإسلام، أو اقتراف القتل، أو الزنا،
أو شرب الخمر، وقد تعارضت ظواهر نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب،
فأطلق اسم الكفر في بعض أحاديث صحيح مسلم على ترك الصلاة، وعلى الطعن
في النسب والنياحة على الميت، وفي حديث الصحيحين " سباب المسلم فسوق
وقتاله كفر " (وفيهما) (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) ،
وقال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (الحجرات:
9) فسماهما مؤمنين، وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء} (النساء: 48) فجمع أهل السنة بين هذه النصوص وأشباهها
بأن لفظ الكفر - ومثله الفسق والظلم - ورد في الكتاب والسنة بالمعنى اللغوي،
فأطلق على كفر النعمة، وعلى الشرك، وما في معناه من منافيات الإيمان بالله
ورسوله، وتصديق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى،