وكذلك الفسق والظلم، قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: 13) ،
﴿والكافرون هم الظالمون﴾ (البقرة: 254) ، {كذلك حقت كلمت ربك على الذين
فسقوا أنهم لا يؤمنون} (يونس: 33) ، وقال { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال
في الحج} (البقرة: 197) فهذا الفسق دون ما قبله، وكذلك لفظ الشرك، وهو
أقبحها أطلق على ما دون اتخاذ إله مع الله فسمي الرياء شركا.
وجملة القول: إن أهل السنة لا يكفرون أحدا من المسلمين بمعصية يرتكبها
فعلا كانت أو تركا وإن كانت من الكبائر، إلا أن بعض أئمة أهل السنة من
الصحابة والتابعين قالوا بكفر تارك الصلاة كما تقدم في تعليقنا على حديث مسلم في
أول هذه الرسالة، وأطلق جمهورهم كلمة (المرتدين) على مانعي الزكاة بعد وفاة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما أطلقوه على من رجعوا عن الإسلام إلى
الشرك أو الإيمان بنبوة الكذابين مسيلمة والأسود العنسي؛ ولكن قال علماء السنة:
إن الذين منعوا الزكاة تأولا بأن أخذها خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم
يسموا مرتدين إلا بالتبع لغيرهم، أو بمعنى الارتداد اللغوي، وإن الإجماع انعقد في
عهد الصحابة بأن من منع الزكاة متأولا - ومثله من جحد ما في معناها وحكمها -
تقام عليهم الحجة أولا فإن اعترفوا بوجوبها ولم يؤدوها لا يحكم بكفرهم بل يقاتلون
قتال البغاة لا الكفار، كما قاتل الصحابة الخوارج ولم يكفروهم، ولا عاملوهم معاملة
الكفار في القتال.
هذا، وإن وراء هذه المسالة بحثا آخر وهو: أنه لا يعقل أن يكون المرء
مؤمنا بالله تعالى، وبرسوله، وباليوم الآخر على الوجه الحق الذي دعا إليه القرآن،
ومسلما مذعنا في ظاهره وباطنه لما جاء به النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو
يترك الصلاة التي هي عماد الإسلام، وركنه الأعظم للعبادات الشخصية، والزكاة
وهي ركنه الأعظم الذي تقوم عليه حياته الاجتماعية، غير مبال بنصوص الكتاب
والسنة التي قرنتهما بالإيمان، وعدتهما أعظم أركان الإسلام، وقد عد السلف العمل
بما أمر الله ورسوله داخلا في مفهوم الإيمان، والإذعان شرط لصحة الإيمان
بالاتفاق، وكيف يكون مذعنا من لا سلطان للأمر والنهي على قلبه، ولا يظهر لهما
أثر في عمله؟
لقد أحسن من عبر عن المسألة بقوله (لا نكفر أحدا من أهل القبلة) أي من
ثبت إسلامه بإذعانه لما جاء به نبينا، بأن كان يصلي معنا إلى قبلتنا، ويلتزم
أحكامنا وشعائرنا؛ فإننا لا نحكم بكفره لذنب يقترفه بجهالة كثورة غضب، أو نزوة
شهوة، أو فريضة يتركها بشغل عارض، أو برد قارس، ثم يتوب من قريب،
إذعانا لمقتضى الوعد والوعيد {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم
يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم} (النساء: 17) ، {والذين إذا فعلوا
فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم
يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} (آل عمران: 135) لا إيمان لمن لا إذعان
له، ولا إذعان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا عمل له، وأعمال الإسلام
قسمان أركان كأركان البيت يتوقف عليها وجوده، وواجبات ومندوبات يتوقف عليها
كماله، فهذا هو الإسلام الديني.
وهناك إسلام آخر هو عبارة عن جنسية سياسية أو اجتماعية تنال بالوراثة،
أو بالانتماء إلى قوم يسمون مسلمين، وهذا الإسلام لا يشترط فيه العلم بعقائد
الإسلام الديني، ولا القيام بأركانه وشعائره الظاهرة، ولا ترك محرماته المجمع
عليها، ولا استقباحها، ولا ينافيه إنكار شيء من القرآن، ولا استقباح شيء من
شرعه كتحريم تبرج النساء والخمر والقمار، وإنما يعرف بالاسم وبمشاركة
المسلمين في بعض احتفالات أعيادهم، ومواسمهم المشروعة والمبتدعة، وبعدم
التزام شعائر دين آخر، وإننا نرى بعض الملاحدة من هذا الجنس يريدون هدم
الإسلام الديني بالإسلام الاصطلاحي الجنسي، حتى أنهم يبيحون جحد المجمع عليه