تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيريك أن من يتخلى عن تلك الصفات إنما هم الكفار، ولا بد للمؤمنين من

الاتصاف بها، فبها يعرفون، وبها يميزون.

قال تعالى في سورة المؤمنين: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في

صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون} (المؤمنون: 1-4) .

جعل الفلاح للمؤمنين الخاشعين في صلاتهم، الفاعلين لزكاتهم، فافهم ألا

فلاح لغير المؤمن، كما أنه لا إيمان لمن لا يصلي خاشعا، ويزكي محبا.

س: عهدنا من القرآن أن يذكر الزكاة بعد الصلاة من غير فصل، فلماذا فصل بينهما هنا بقوله: ( ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ (المؤمنون: 3)

ج: لينبهك إلى نكتة جميلة وحكمة جليلة، وهي أن الصلاة التي ليس فيها خشوع لا يعبأ بها وأنها لغو يتنزه المؤمنون عنها، فليكن لك من كلام الله عبرة

ترجع فيما تطالبك به نفسك إليه، وتقيس أخلاقك وما تأتي به من الأعمال عليه،

فما لك من قسطاس مستقيم يزن الأعمال بالضبط غيره، ولا مقياس صحيح يحدد

الصفات بالحق سواه ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ (الجاثية: 29) ،

﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون﴾ (المؤمنون: 62) .

(وقال) تعالى في سورة النمل: {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين *

هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم

يوقنون} (النمل: 1-3) .

(وقال) في سورة لقمان: {الم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة

للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك

على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} (لقمان: 1-5) .

تراه هنا قد حصر الفلاح فيهم، وأفادك أمرا آخر، وهو أن الصلاة والزكاة

مع ملازمتهما للإيمان بالآخرة، قد يأتي بهما المرء عن غير داعية الإيمان، إما

للرياء أو الإكراه، وحينئذ لا يكون له حظ في هداية القرآن، ولا البشرى بالجنة

والرضوان، ومن كان هذا حاله، لا تنفعه صلاته، ولا تقبل منه نفقاته.

(قال) تعالى في سورة براءة: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم

كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون

* فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق

أنفسهم وهم كافرون} (التوبة: 54-55) .

أنزل الله ذلك في شأن المنافقين الذين لم تكن صلاتهم عن إيمان؛ فينشطوا

إليها، ويرتاحوا بها، ولم تكن نفقاتهم عن إخلاص؛ فينفقوا عن طيب نفس ورغبة

في القبول؛ فبذلك كفروا، وجعل الله أموالهم وأولادهم فتنة لهم، ووبالا عليهم،

وسينتقم منهم ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (الشعراء: 88-89) من عيوب الشرك والنفاق.

هذا وقد تضافرت الآيات الناطقة بأن الصلاة والزكاة هما علامتا الإيمان بالله،

ودليلا الإخلاص له، وأنه لا يصح إيمان بدونهما، كما أنهما لا تقبلان من غير

أن يكون الإيمان باعثا عليهما، وها أنا ذا أزيدك على ما تقدم منها ما تقطع بعد

تدبره بأن تارك الصلاة ومانع الزكاة لم يمس الإيمان قلبه.

قال العزيز الحكيم في سورة السجدة الم: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا

بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن

المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} (السجدة: 15-16)

(وقال) تعالى في سورة الأنفال {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت

قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون

الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا} (الأنفال: 2-4) وقد

أتى في الآيتين بلفظ (إنما) الذي يدل على الحصر، كأنه يقول سبحانه: إنه لا

يوجد الإيمان الصحيح إلا فيمن يكون هذا شأنهم، وتلك صفاتهم، فمن لم يهتز قلبه

لذكر الله، ولا يخضع ويذعن لأوامره، فيرجو ثوابه، ويخاف عقابه، فليس بمؤمن،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٤٣