يكون مصليا لله مزكيا، تكون دعواه باطلة كاذبة، إذ لم يأت عليها من أعماله
بشاهد أو بينة [2] .
وقد قضت حكمة الله تعالى أن يكون الإيمان حياة للروح، كما أن الدم حياة
للجسم، وكلاهما يحتاج إلى ما يمده ويقويه، فكما أن الدم يطلب بطبيعته أن تأتي
له الأعضاء بمواد تجهزها له، وتمده بها ليقوى ويزاد صلاحا لتقوية الجسم على
حاجاته، كذلك الإيمان يطلب عملا صحيحا تقوم به الجوارح من الصلاة والزكاة
وغيرهما ليغذيه ويزيده قوة؛ فتقوى بقوته الروح، وتستعد بزيادته النفس لأن تكون
ملكية صالحة لجوار الله تعالى، وأهلا للتمتع بجناته ورضوانه.
وهذا هو السر في أن الإيمان متى قام بالنفس صرف الجوارح في العمل
حتما، وأن الإيمان لا يوجد في قلب امرئ لا يصلي أو لا يزكي، كما سمعت من
الآيات التي تقرن الإيمان بالعمل على الدوام، وتكذب من يدعي الإيمان ولا يعمل؛
لأنه لو كان صادقا لأتى بالصلاة والزكاة التي تصدقه وتشهد له، وقد علمت أن
غير الصلاة والزكاة من الفضائل هو تابع لهما بالضرورة؛ ولذلك تجد الآيات
تقرنهما بالإيمان، وتذكر غيرهما بعدهما، وفي كثير من الآيات يستغنى بذكرهما
بعد الإيمان، للإشارة إلى ذلك.
(قال) تعالى في وصف المؤمنين في سورة النساء: {والمؤمنون يؤمنون
بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله
واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما} (النساء: 162) .
س: لم قال (والمقيمين) فأتى بها منصوبة على غير المألوف لنا من قواعد النحو في العطف؟
ج: لتنبيه الذهن، فهو تخصيص يظهر لك به قيمة المقيم للصلاة، وتأكيد للعناية بها،إذ هي الأصل للفضائل كما أسلفنا، والناهية عن الفحشاء والمنكر، وقد أردفها بأختها الزكاة وجعلهما معا وسطا بين الإيمان بالكتب المنزلة من السماء وبين الإيمان بالله وبالجزاء، ليفيد أنهما مظهر الإيمانين، وأن المؤمن لا بد أن
يتصف بالصفتين.
وكأنه يقول: إن من لم يتحل بالصلاة والزكاة، لا يكون مؤمنا بالله، ولا
خائفا من عذاب الله، اسمع قوله تعالى في سورة النور: {في بيوت أذن الله أن
ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا
بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب
والأبصار * ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله} (النور: 36-
38) الآية.
تجد أنه جعل خوف هؤلاء الرجال من يوم القيامة وهوله، وما يلاقيهم هناك
من حسابه، سببا في ذكرهم ربهم، وإقامة صلاتهم، وإيتاء زكاتهم، كما أن فعلهم
الصلاة والزكاة نتيجة ثقتهم بأن الله يشكرهم على فعلهم، ويمتعهم بثمرة أعمالهم،
فالآيات تنادي بأن من لم يقم الصلاة، ولم يؤت الزكاة، ولا يخاف ذلك اليوم - يوم
الدين - ولا يثق بثواب رب العالمين، إذ النفس مفطورة على فعل الشيء متى
ترجح لها فيه الخير، والابتعاد عنه إذا علمت منه الضرر، وهذه قاعدة نفسية،
تجرى عليها جميع الأعمال البشرية، فمن ادعى خلافها فهو كاذب، ألا تراك حين
تعلم أنك إذا وضعت يدك في جحر الثعبان؛ فإنه يلدغك، أو أكلت طعاما فيه سم؛
فإنه يقتلك، لا تستطيع بحسب فطرتك أن تقدم عليه البتة، اللهم إلا إذا زال من
نفسك هذا العلم بالضرر، أو أصابك شيء في العقل؛ فترجح لك النفع في الموت،
ولكن ما دام العقل سليما، والضرر مرجحا؛ فإنك لن يمكنك الإقدام عليه، فارجع
إلى وجدانك، وحقق منه ذلك، فإنك لا تشك في أن تارك الصلاة ومانع الزكاة، لم
يمنعه من أدائهما، إلا ما قام بنفسه من ترجيح الخير في تركهما، وعدم يقينه بأنه
سيعذب على عدم المبالاة بهما، ولو قرأت قوله تعالى عقب هذه الآية مباشرة:
﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾ (النور: 39) الآية؛ لرأيت أنه يقابل الآية
التي قبلها، ومن المعلوم في سنة القرآن أن يذكر الكافرين، في مقابل المؤمنين،